فصل: تفسير الآيات رقم (105- 106)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏95- 97‏]‏

‏{‏وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ‏(‏95‏)‏ حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ‏(‏96‏)‏ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ‏(‏97‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏حرام‏}‏‏:‏ مبتدأ، وفيه لغتان‏:‏ حرام وحِرْم، كحلال وحِلّ‏.‏ و‏{‏أنهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الخ‏:‏ خبر، أو فاعل سد مسده، على مذهب الكوفيين والأخفش‏.‏ والجملة‏:‏ تقرير لقوله‏:‏ ‏{‏كُلٌّ إلينا راجعون‏}‏، و‏{‏لا‏}‏ نافية، أي‏:‏ ممتنع على قرية أهلكناها عدمُ رجوعهم إلينا بالبعث، بل كل إلينا راجعون‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏لا‏}‏ زائدة، والتقدير‏:‏ ممتنع رجوع قرية أردنا إهلاكها عن غيهم، ‏{‏فإنهم‏}‏‏:‏ على هذا‏:‏ فاعل بحرام‏.‏ قاله القصار‏.‏ و‏{‏حتى‏}‏‏:‏ ابتدائية، غاية لما يدل عليه ما قبلها، أي‏:‏ يستمرون على ما هم عليه من الهلاك، حتى إذا قامت القيامة يرجعون إلينا، ويقولون‏:‏ ‏{‏يا ويلنا‏}‏‏.‏ وقال أبو البقاء‏:‏ ‏{‏حتى‏}‏‏:‏ متعلقة في المعنى بحرام، أي‏:‏ يستقر الامتناع، أي‏:‏ هذا الوقت‏.‏ و‏{‏فإذا هي‏}‏‏:‏ جواب ‏{‏إذا‏}‏‏.‏ وفي الأزهري‏:‏ وقد يجمع بين الفاء وإذا الفجائية؛ تأكيدًا، خلافًا لمن منع ذلك‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا هي شاخصة‏}‏، فإنه لو قيل‏:‏ إذا هي، أو فهي شاخصة لصح‏.‏ ه‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏يا ويلنا‏}‏‏:‏ على حذف القول، أي‏:‏ إذا فتحت قالوا‏:‏ يا ويلهم‏.‏ و‏{‏اقترب‏}‏‏:‏ عطف على فُتحت‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏وحرامٌ‏}‏ أي‏:‏ ممتنع ‏{‏على‏}‏ أهل ‏{‏قريةٍ أهلكناها‏}‏؛ قدرنا هلاكها، أو حكمنا بإهلاكها؛ لعتوهم، ‏{‏إنهم إلينا لا يَرجعون‏}‏ بالبعث والحشر، بل لا بد من بعثهم وحشرهم وجزائهم على أعمالهم‏.‏ وتخصيص امتناع عدم رجوعهم بالذكر مع شمول الامتناع للكل؛ لقوله‏:‏ ‏{‏كُلٌ إلينا راجعون‏}‏؛ لأنهم المنكِرون للبعث والرجوع دون غيرهم‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى‏:‏ وممتنع على قرية، أردنا إهلاكها، رجوعهم إلى التوبة، أو ممتنع على قرية، أهلكناها بالفعل، رجوعهم إلى الدنيا‏.‏ وفيه رد على مذهب القائلين بالرجعة من الروافض وأهل التناسخ، على أن «لا» صلة‏.‏ وقُرئ بالكسر، على أنه تعليل لما قبله، فحرام، على هذا، خبر عن مبتدأ محذوف، أي‏:‏ ذلك العمل الصالح حرام على قرية أردنا إهلاكها؛ لأنهم لا يرجعون عن غيرهم‏.‏

وقال الزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ وحرام على قرية، أردنا إهلاكها، أن يُتَقَبَّلَ منهم عمل؛ لأنهم لا يرجعون، أي‏:‏ لا يتوبون، ويجوز حمل المفتوحة على هذا بحذف اللام، ويستمرون على ما هم عليه من الهلاك، أو‏:‏ فليستمر امتناعهم من الرجوع‏.‏

‏{‏حتى إذا فُتحت يأجوجُ ومأجوج‏}‏ ونُفخ في الصور، وقامت القيامة، فيرجعون، ولا ينفعهم الرجوع‏.‏ ويأجوج ومأجوج قبيلتان، يقال‏:‏ الناس عشرة أجزاء، تسعة منها يأجوج ومأجوج‏.‏ والمراد بفتحها‏:‏ فتح سدها، على حذف مضاف؛ أي‏:‏ حتى إذا فُتح سد يأجوج ومأجوج، ‏{‏وهم‏}‏ أي‏:‏ يأجوج ومأجوج، وقيل‏:‏ الناس بعد البعث، ‏{‏من كل حَدَبٍ‏}‏ أي‏:‏ نشز ومرتفع من الأرض، ‏{‏يَنسِلُونَ‏}‏‏:‏ يسرعون، وأصل النسل‏:‏ مقاربة الخطو مع الإسراع‏.‏ ويدل على عَود الضمير ليأجوج ومأجوج‏:‏ قوله- عليه الصلاة والسلام-‏:‏ «ويفتح ردم يأجوج ومأجوج، فيخرجون على الناس، كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏من كل حدب ينسلون‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏»

الحديث، ويؤيد إعادتَه على الناس قراءة مجاهد‏:‏ «من كل جدث»؛ بالجيم، وهو القبر‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏واقتربَ الوعدُ الحقُّ‏}‏ أي‏:‏ ما بعد النفخة الثانية من البعث والحساب، ‏{‏فإِذا هي شاخصةٌ‏}‏ أي‏:‏ فإذا القصة أو الشأن، وهو ‏{‏أبصارُ الذين كفروا‏}‏ شاخصة، أي‏:‏ مرتفعة الأجفان، لا تكاد تطرق من شدة الهول، حال كونهم يقولون‏:‏ ‏{‏يا ويلنا‏}‏؛ يا هلكتنا، هذا أوانك، فاحضري، ‏{‏قد كُنَّا في غفلةٍ‏}‏ تامة ‏{‏من هذا‏}‏ الذي دهَمنا؛ من البعث، والرجوع إليه تعالى، للجزاء، ولم تعلم، حيث نُبِّهْنَا عليه بالآيات والنُذر، أنه حق، ‏{‏بل كنا ظالمين‏}‏ بتلك الآيات والنذر، مُكذبين بها، أو ظالمين أنفسنا؛ بتعريضها للعذاب المخلد‏.‏ وهو إضراب عما قبله، من وصف أنفسهم بالغفلة، أي‏:‏ لم نكن غافلين عنه، حيث نُبِّهْنَا عليه بالآيات والنذر، بل كنا ظالمين بتكذيبهم، والله تعالى أعلم‏.‏

تذييل‏:‏ رَوى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «أولا الآية‏:‏ الدَّجال، ونزول عيسى، ونار تخرج من قرن عدن، تسوق النار إلى المحشر- أي الشام- تقيل معهم إذا قالوا، والدُّخان، والدَّابة، ثم يأجوج ومأجوج» قلت‏:‏ وبعد موت يأجوج ومأجوج، تبقى مدة عيسى عليه السلام، في أَمَنَةٍ ورَغَدِ عَيْشٍ‏.‏ قيل‏:‏ سبع سنين، وقيل‏:‏ أربعون‏.‏ ثم يُقبض عيسى، ويُدفن في روضته صلى الله عليه وسلم، ثم تهب ريح تقبض المؤمنين، فلا يبقى من يقول الله الله، قيل‏:‏ مائة سنة، وقيل‏:‏ أقل، ثم تخرب الكعبة، ثم يُنفخ في الصور للصعق، واقترب الوعد الحق‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ الحضرة محرمة على قلبٍ خراب، أهلكه الله بالوساوس والخواطر، وفتحت عليه من الشواغل والشواغب والخواطر يأجوج ومأجوج، فأفسدته وخربته وجعلته مزبلة للشياطين‏.‏ فحرام عليه رجوعه إلى الحضرة حتى يتطهر من هذه الوساوس والخواطر، ومن الشواغل والعلائق‏.‏ قال بعض الصوفية‏:‏ ‏(‏حضرة القدوس محرمة على أهل النفوس‏)‏‏.‏ فإذا اقترب وعد الحق، وهو أجل موته، قال‏:‏ يا ويلنا إنا كنا عن هذا غافلين، لم نتأهب للقاء رب العالمين، حتى لقيتُه بقلب سقيم‏.‏ والعياذ بالله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏98- 100‏]‏

‏{‏إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ‏(‏98‏)‏ لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏99‏)‏ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ ‏(‏100‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏إِنكم‏}‏، يا كفار قريش ومن دان دينكم، ‏{‏وما تعبدون من دون الله‏}‏ من الأصنام والشياطين؛ لأنهم، لطاعتهم لهم واتباعهم خطواتهم، في حكم عبادتهم، ويدخل فيه الشمس والقمر والنجوم، وكل ما عُبد من دون الله ممن لا يعقل، للحديث الوارد في دخولهم النار، تبكيتًا لمن عبدهم؛ لأنهم لا يتضررون بالنار‏.‏ وأما من يعقل فلا يدخل؛ حيث عبَّر بما‏.‏ وقيل‏:‏ يدخل، ثم استثناه بقوله‏:‏ ‏{‏إن الذين سبقت لهم منا الحسنى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏، فكل من عبد شيئًا من دون الله فهو معه، ‏{‏حَصَبُ جهنم‏}‏ أي‏:‏ حطبها، وقرئ بالطاء، أي‏:‏ وقودها ‏{‏أنتم لها واردون‏}‏ أي‏:‏ فيها داخلون‏.‏

‏{‏لو كان هؤلاء آلهةً‏}‏ كما زعمتم ‏{‏ما وردوها‏}‏؛ ما دخلوا النار، ‏{‏وكلٌّ فيها خالدون‏}‏ أي‏:‏ وكل من العابد والمعبود في النار خالدون‏.‏ ‏{‏لهم فيها زفير‏}‏ أي‏:‏ للكفار في النار أنينٌ وبكاء وعويل، ‏{‏وهم فيها لا يسمعون‏}‏ شيئًا؛ لأن في سماع بعضهم بعضًا نوع أُنس‏.‏ قال ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏ يُجعلون في توابيت من نار، ثم جعلت التوابيت في توابيت أُخَر لها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئًا‏.‏

رُوِيَ أن النبي صلى الله عليه وسلم دَخَلَ المَسْجِدَ الحَرام، وصَنَادِيدُ قُريشٍ في الحَطِيمِ، وَحَوْلَ الكَعْبَةِ ثلاثمائة وَسِتونَ صَنَمًا، فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ، فَعَرَضَ لَهُ النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ، فكلَّمهُ النبي صلى الله عليه وسلم حَتَّى أفْحَمَهُ، ثُمَّ تلا عليه وعليهم‏:‏ ‏{‏إِنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآيات الثلاث‏.‏ ثم أقْبَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزِبَعْرَى فرآهم يتساهمون، فقال‏:‏ فيم خوضكم‏؟‏ فأخفى الوَلِيدُ ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخبره بعضهم بما قاله، عليه الصلاة والسلام، فقال ابن الزبعرى للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أأنت قلت‏:‏ ‏{‏إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم‏}‏ ‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ قد خصمتك، ورب الكعبة، أَلَيْست اليَهُودُ تعبد عُزَيرًا، والنصارى تعبد المَسِيحَ، وبَنُو مُلَيْحٍ يعبدون الملائكة‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «بَلْ هُمْ يَعْبُدُونَ الشياطِينَ الّتي أَمَرَتْهُم بِهذا، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين سبقت لهم منا الحسنى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏»‏.‏

قلت‏:‏ كل من عَبَدَ شيئًا من دون الله فإنما عَبَدَ في الحقيقة الشيطان؛ لأنه أمر به وزينه له، ويدل على ذلك أنهم يتبرؤون يوم القيامة، حين تتحقق الحقائق، من عبادتهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل قَالُواْ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ‏}‏ ‏[‏الفُرقان‏:‏ 17، 18‏]‏ مع قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل‏}‏ ‏[‏العَنكبوت‏:‏ 38‏]‏‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ من أحب شيئًا حُشر معه، من أحب أولياء الله حُشر معهم، ومن أحب الصالحين حُشر معهم، ومن أحب الفجار حُشر معهم، ومن أحب الدنيا بُعث معها، ثم بعث إلى النار، وهكذا‏.‏‏.‏‏.‏ المرء مع من أحب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏101- 103‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ‏(‏101‏)‏ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ ‏(‏102‏)‏ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ‏(‏103‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏إِن الذين سبقت لهم منا الحسنى‏}‏ أي‏:‏ الخصلة الحسنى، أو المشيئة الحسنى، وهي السعادة، أو التوفيق للطاعة، أو البُشرى بالثواب، ‏{‏أولئك عنها‏}‏‏:‏ عن جهنم ‏{‏مبعدون‏}‏؛ لأنهم في الجنة، وشتان ما بنيهما‏.‏ قال القشيري‏:‏ لم يقل متباعدون؛ ليَعْلَم العابدون أن المدارَ على التقدير وسبق الحكم من الله، لا على تَبَاعد العبد وتَقَرُّبه‏.‏ ه‏.‏ وكأنه يشير لقوله‏:‏ «هؤلاء إلى الجنَّةِ ولا أُبالي»، أي‏:‏ بأعمالهم‏.‏

‏{‏لا يسمعون حَسِيسَهَا‏}‏ أي‏:‏ صوتها الذي يحس، وحركة تلهبها، وهذه مبالغة في الإبعاد، أي‏:‏ لا يقربوها حتى لا يسمعوا صوتها أو صوت من فيها‏.‏ قال الكواشي‏:‏ لا يسمعون صوت النار وحركة تلهبها إذا نزلوا منازلهم من الجنة‏.‏ ه‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ وذلك بعد دخولهم الجنة؛ لأن الحديث يقتضي أن في الموقف تزفر جهنم زفرة لا يبقى نبي ولا ملك إلا خرَّ على ركبتيه‏.‏ ه‏.‏ قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي‏:‏ محمل الحديث، إن صح في حق الأنبياء والأكابر، على شهود الجلال والإجلال لله تعالى، ولذلك يقولون‏:‏ «نفسي نفسي»، لا من خوف النار‏.‏ ه‏.‏

قلت‏:‏ أما كون الناس يُصعقون يوم القيامة، فيكون المصطفى أول من يفيق، فثابت في الصحيح، أما سبب الصعقة فقد ورد في غير البخاري‏:‏ «أنه يُؤتى بجهنم، ولها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، ثم تزفر زفرة، فلا يبقى نبي ولا ملك إلا خرّ»‏.‏‏.‏ الحديث، ويؤيده قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجياء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ‏}‏ ‏[‏الفَجر‏:‏ 23‏]‏ والأنبياء- عليهم السلام- بَشَر عبيد، قد تعمهم القهرية، ولا تقدح في منصبهم، وليس صعقهم خوفًا، لكن غلبة ودهشًا، كما صعق موسى- عليه السلام- عند الرؤية، ونبينا- عليه الصلاة والسلام- حين تجلى له جبريل على صورته‏.‏ والله أعلم‏.‏ وقال جعفر الصادق‏:‏ وكيف يسمعون حسيسها، والنار تخمد بمطالعتهم، وتتلاشى برؤيتهم‏؟‏ ثم ذكر حديث قول النار للمؤمن‏:‏ جُز‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏.‏

ويدل على أن هذه الحالة إنما هي بعد دخولهم الجنة، قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهم فيما اشتهت أَنفُسُهُم‏}‏ من النعيم ‏{‏خالدون‏}‏‏:‏ دائمون، والشهوة‏:‏ طلب النفس للذة‏.‏ وهو بيان لفوزهم بالمطالب، إثر بيان خلاصهم من المهالك والمعاطب، أي‏:‏ دائمون في غاية التنعم، ‏{‏لا يحزنهم الفزعُ الأكبر‏}‏، وهو القيام من القبور عند صيحة البعث، بدليل قوله‏:‏ ‏{‏وتتلقاهم الملائكةُ‏}‏‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ «تتلقاهم الملائكة بالرحمة، عند خروجهم من القبور»، قائلين‏:‏ ‏{‏هذا يومُكم الذي كنتم تُوعدون‏}‏ بالكرامة والثواب، والنعيم المقيم فيه، أي‏:‏ بعد دخولكم الجنة‏.‏

وقال الحسن‏:‏ الفزع الأكبر‏:‏ الانصراف إلى النار‏.‏ وعن الضحاك‏:‏ حين يُطبق على أهل النار‏.‏ وقيل‏:‏ حين نفخة الصعق، وقيل‏:‏ حين يُذبح الموت‏.‏

قلت‏:‏ من سبقت له الحسنى ينجو من جميعها‏.‏ وقيل‏:‏ تتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة، مُهنئين لهم قائلين‏:‏ ‏{‏هذا يومكم الذي كنتم توعدون‏}‏ في الدنيا، ويُبشرون بما فيه من فنون المثوبات على الإيمان والطاعات‏.‏ وهذا، كما ترى، صريح في أن المراد بالذين سبقت لهم الحسنى‏:‏ كافةُ المؤمنين الموصوفين بالإيمان والأعمال الصالحة، لا من ذكر؛ من المسيح، وعُزير، والملائكة، كما قيل‏.‏ قاله أبو السعود، قلت‏:‏ وقد يجاب بأنها نزلت في شأنهم وتعم غيرهم؛ لأن سبب النزول لا يخصص‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ قال الجنيد رضي الله عنه‏:‏ ‏{‏إن الذين سبقت لهم منّا الحسنى‏}‏ أي‏:‏ سبقت لهم منا العناية في البداية، فظهرت لهم الولاية في النهاية‏.‏ ه‏.‏ ‏{‏أولئك عنها‏}‏ أي‏:‏ عن نار القطيعة، وهي أغيار الدنيا، مُبعدون، لا يسمعون حسيسها، ولا ما يقع فيها من الهرج والفتن، لغيبتهم عنها بالكلية في الشغل بالله تعالى، فهم فيما اشتهت أنفسهم؛ من لذة الشهود، والقُرب من الملك الودود، خالدون دائمون، لا يحزنهم الفزع الأكبر في الدنيا والآخرة، وتتلقاهم الملائكة بالبُشرى بالوصول، هذا يومكم الذي كنتم توعدون، وهو يوم ملاقاة الحبيب والعكوف في حضرة القريب، عند مليك مقتدر‏.‏ منحنا الله من ذلك الحظ الأوفر بمنّه وكرمه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏104‏]‏

‏{‏يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ‏(‏104‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏يوم‏}‏‏:‏ ظرف لاذكر، أو لقوله‏:‏ ‏{‏لا يحزنهم الفزع‏}‏، أو لتتلقاهم‏.‏ والسجل‏:‏ الصحيفة، والكتاب‏:‏ مصدر، و‏{‏كما بدأنا‏}‏‏:‏ منصوب بمضمر، يُفسره ما بعده، و‏{‏ما‏}‏‏:‏ موصولة‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ واذكر ‏{‏يوم نَطْوِي السماءَ‏}‏؛ وذلك يوم الحشر والناس في الموقف، فتجمع وتُكوّر وتُطوى ‏{‏كطَيِّ السِّجِلِّ‏}‏؛ الصحيفة ‏{‏للكتاب‏}‏ أي‏:‏ لأجل الكتابة فيها؛ لأن الكاتب يطوي الصحيفة على اثنين؛ ليكتب فيها‏.‏ فاللام للتعليل، أو بمعنى «على»، أي‏:‏ كطي الصحيفة على الكتابة التي فيها، لتُصان، وقرأ أبو جعفر‏:‏ «تُطوى»؛ بالبناء للمفعول‏.‏ وذلك بمحو رسومها وتكوير نجومها وشمسها وقمرها‏.‏ وأصل الطي‏:‏ الدرج، الذي هو ضد النشر‏.‏ وقرأ الأخوان وحفص‏:‏ ‏{‏للكُتُبِ‏}‏ بالجمع، أي‏:‏ للمكتوبات، أي‏:‏ كطي الصحيفة؛ لأجل المعاني الكثيرة التي تكتب فيها، أو كطيها عليها؛ لتُصان‏.‏ فالكتاب أصله مصدر، كالبناء، ثم يوقع على المكتوب‏.‏ وقيل‏:‏ السجل‏:‏ ملك يطوي كتب ابن آدم، إذا رفعت إليه، فالكتاب، على هذا، اسم للصحيفة المكتوب فيها، والطي مضاف إلى الفاعل، وعلى الأول‏:‏ إلى المفعول‏.‏

‏{‏كما بدأنا أول خَلقٍ نُعيده‏}‏ أي‏:‏ نعيد ما خلقنا حين نبعثهم، كما بدأناهم أول مرة، فالتنوين في ‏{‏خَلقٍ‏}‏ مثله في قولك‏:‏ أول رجلٍ جاءني، تريد أول الرجال والتقدير‏:‏ كما بدأنا أول الخلائق، نعيدهم حفاةً عراة غُرلاً‏.‏ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنَّكُمْ تَحْشَرُونَ يَوْمَ القيَامَة حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً‏.‏ وأول مَنْ يُكْسَى إبْرَاهِيمُ خليلُ الله»، أي‏:‏ لأنه جرد في ذات الله، فقالت عائشة- رضي الله عنها-‏:‏ واسوءتاه‏!‏ فلا يحتشم الناس بعضهم من بعض‏؟‏ فقال‏:‏ «لكل امرئ منهم يومئذ شأن يُغنيه» ثم قرأ- عليه الصلاة والسلام-‏:‏ ‏{‏كما بدأنا أول خلق نعيده‏}‏‏.‏

كما بدأناه من الماء نعيده كيوم ولدته أمه‏.‏ قلت‏:‏ قد استدل بعضهم، بظاهر الآية والحديث، أن أهل الجنة ليس لهم أسنان، ولا دليل فيه؛ لأن المقصود من الآية‏:‏ الاستدلال على كمال قدرته تعالى، وعلى البعث الذي تُنكره الكفرة، لا بيان الهيئة، وعدمُ وجودها نقصان، ولا نقص في الجنة‏.‏

ثم أكد الإعادة بقوله‏:‏ ‏{‏وعدًا علينا‏}‏ أي‏:‏ نُعيده وعدًا، فهو مصدر مؤكد لغير فعله؛ بل لِمَا في «‏{‏نعيده‏}‏ من معنى العِدة، أي‏:‏ وعدنا ذلك وعدًا واجبًا علينا إنجازه؛ لأنا لا نُخلف الميعاد، ‏{‏إِنا كنا فاعلين‏}‏ لما ذكرنا لا محالة، فاستعدوا له، وقدِّموا صالح الأعمال للخلاص من هذه الأهوال‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

الإشارة‏:‏ إذا أشرقت على القلب شموسُ العرفان، انطوت عن مشهده وجودُ الأكوان، وأفضى إلى فضاء العيان، فلا سماء تظله ولا أرض تحمله، وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه‏:‏

لقد تجلى ما كان مخبى *** والكون كُلٌّ طويت طي

تفسير الآيات رقم ‏[‏105- 106‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ‏(‏105‏)‏ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ‏(‏106‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏ولقد كتبنا في الزَّبور‏}‏ كتاب داود عليه السلام، ‏{‏من بعْدِ الذِّكْرِ‏}‏‏:‏ التوراة، أو اللوح المحفوظ، ‏{‏أنَّ الأرض‏}‏ أي‏:‏ جنس الأرض، يعني‏:‏ مشارقها ومغاربها، ‏{‏يرثُها عبادي الصالحون‏}‏ وهم أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ففي الآية ثناء عليهم وبشارة لهم، وإخبار بظهور غيب تحقق ظهوره في الوجود؛ مِن فَتْح الله على هذه الأمة مشارقَ الأرض ومغاربها، كقوله‏:‏ ‏{‏وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض‏}‏ ‏[‏النُّور‏:‏ 55‏]‏‏.‏ وقال القشيري‏:‏ على قوله‏:‏ ‏{‏عبادي الصالحون‏}‏‏:‏ هم أمة محمد- عليه الصلاة والسلام- وهم بجملتهم قوم صالحون لنعمته، وهم المطيعون، وآخرون صالحون لرحمته وهم العاصون‏.‏ ه‏.‏

قال في الحاشية الفاسية‏:‏ والظاهر أن حديث‏:‏ «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله»، مفسر للآية، وموافق لوعدها‏.‏ قيل‏:‏ وهذه الطائفة مُفْتَرَقَةً من أنواع المؤمنين، ممن فيه عائدة على الدين ونفع له؛ من شجعان مقاتلين، وفقهاء ومحدِّثين، وزهاد وصالحين، وناهين وآمرين بالمعروف‏.‏ ه‏.‏ قلت‏:‏ وعارفين متمكنين، علماء بالله ربانيين‏.‏ ثم قال‏:‏ وغير ذلك من أنواع أهل الحسنى، ولا يلزم اجتماعهم، بل يكونون متفرقين في أقطار‏.‏ ه‏.‏ قلت «‏:‏ وفيه نظر؛ لأن مراد الآية الأمة كلها، كما قال القشيري، ومراد الحديث بعضها، فلا يليق أن يكون تفسيرًا لها، وهي أعم منه‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالأرض‏:‏ أرض الشام، وقيل‏:‏ أرض الجنة‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ في هذا‏}‏ أي‏:‏ ما ذكر في السورة الكريمة من الأخبار والمواعظ البالغة، والوعد والوعيد، والبراهين القاطعة الدالة على التوحيد وصحة النبوة، ‏{‏لبلاغًا‏}‏ أي‏:‏ كفاية، أو سبب بلوغ إلى البغية، من رضوان الله تعالى، ومحبته، وجزيل ثوابه، فمن تبع القرآن وعمل به، وصل إلى ما يرجو من الثواب العظيم، فالقرآن زادُ الجنة كبلاغ المسافر، فهو بلاغ وزاد ‏{‏لقومٍ عابدين‏}‏ أي‏:‏ لقومٍ همتُهُم العبادة دون العادة‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

الإشارة‏:‏ قد أورث الله أرضه وبلاده لأهل التوجه إلى الله، والإقبال عليه‏.‏ فوراثة كل أحد على قدر توجهه وإقباله على مولاه‏.‏ والمراد بالوراثة‏:‏ التصرف بالهمة ونفوذ الكلمة في صلاحَ الدين وهداية المخلوقين، وهم على قسمين‏:‏ قسم يتصرف في ظواهر الخلق بإصلاح ظواهرهم، وهم العلماء الأتقياء، فهم يُبلغون الشرائع والأحكام، لإصلاح نظام الإسلام، وقد تقدم تفصيلهم في سورة التوبة عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏التّوبَة‏:‏ 122‏]‏ الخ، وقسم يتصرفون في بواطنهم؛ وهم أهل التصرف العارفون بالله، على اختلاف مراتبهم؛ من غوث وأقطاب وأوتاد، وأبدال، ونجباء، ونقباء، وصالحين، وشيوخ مربين، فهم يُعالجون بواطن الناس بالتربية بالهمة والحال والمقال، حتى يتطهر مَنْ يصحبهم من الرذائل، ويتحلى بأنواع الفضائل، فيتأهل لحضرة القدس ومحل الأنس‏.‏ وهؤلاء حازوا الوراثة النبوية كلها، كما قال ابن البنا في مباحثه‏:‏

تَبِعَهُ العَالِم في الأقوال *** والعابد الزاهد في الأفعال

وبهما الصوفي في السباق *** لكنه قد زاد بالأخلاق

تفسير الآيات رقم ‏[‏107- 112‏]‏

‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ‏(‏107‏)‏ قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ‏(‏108‏)‏ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ ‏(‏109‏)‏ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ‏(‏110‏)‏ وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ‏(‏111‏)‏ قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ‏(‏112‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏رحمة‏}‏‏:‏ مفعول لأجله، أو حال‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏وما أرسلناك‏}‏ يا محمد ‏{‏إِلا رحمةً للعالمين‏}‏ أي‏:‏ ما أرسلناك بما ذكر من الشرائع والأحكام، وغير ذلك؛ مما هو مناط سعادة الدارين، لعلة من العلل، إلا لرحمتنا الواسعة للعالمين قاطبة‏.‏ أو ما أرسلناك في حال من الأحوال، إلا حال كونك رحمة لهم، فإن ما بُعثتَ به سببٌ لسعادة الدارين، ومنشأ لانتظام مصالحهم في النشأتين، ومن لم يضرب له في هذه المغانم بسهم فإنما أُوتي من قِبل نفسه، حيث فرط في اتّباعه، وقيل‏:‏ إنه رحمة حتى في حق الكفار في الدنيا؛ بتأخير عذاب الاستئصال، والأمن من المسخ والخسف والغرق، حسبما نطق به قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ‏}‏ ‏[‏الأنفَال‏:‏ 33‏]‏‏.‏

‏{‏قل إِنما يوحى إِليّ أَنما إِلهكم إِلهٌ واحد‏}‏ أي‏:‏ ما يوحى إليّ إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد؛ لأنه المقصود الأصلي من البعثة، وأما ما عداه فإنما هو من الأحكام المتفرعة عليه، لا يصح بدونه‏.‏ و‏{‏إنما‏}‏ الأولى‏:‏ لقصر الحكم على الشيء، كقولك‏:‏ إنما يقوم زيد، والثانية‏:‏ لقصر الشيء على الحكم، كقولك‏:‏ إنما زيد قائم، أي‏:‏ إنما يُوحى إليّ وحدي أنما إلهكم واحد‏.‏ ‏{‏فهل أنتم مسلمون‏}‏ أي‏:‏ مخلصون العبادة لله ‏{‏فإن تولوا‏}‏ عن الإسلام، ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه من استماع الوحي، ‏{‏فقل آذنتُكم‏}‏ أي‏:‏ أعلمتكم ما أُمرت به، أو بمحاربتي لكم ومخالفتي لدينكم، فتكونوا ‏{‏على سواءٍ‏}‏، أو كائنين على سواء في الإعلام به، لم أطوه عن أحد منكم، أو مستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به من الشرائع، لم أظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره‏.‏ وفيه دليل بطلان مذهب الباطنية‏.‏ قيل‏:‏ وهذه من فصاحة القرآن وبلاغته‏.‏

‏{‏وإِنْ أَدْرِي‏}‏ أي‏:‏ ما أدري ‏{‏أقريبٌ أم بعيدٌ ما تُوعدون‏}‏ من البعث والحساب متى يكون؛ لأن الله تعالى لم يُطلعني عليه، ولكن أنبأني أنه آت لا محالة، وكل آت قريب‏.‏ ولذلك قال‏:‏ ‏{‏واقترب الوعد الحق‏}‏ ‏[‏الأنبيَاء‏:‏ 97‏]‏، أو‏:‏ لا أدري متى يحل بكم العذاب، أو ما توعدون من إظهار المسلمين وظهور الدين، ‏{‏إِنه يعلم الجهرَ من القول ويعلم ما تكتمون‏}‏ أي‏:‏ إنه عالم بكل شيء، يعلم ما تجهرون به؛ من الطعن في الإسلام وتكذيب الآيات، وما تكتمونه في صدوركم من الأحقاد للمسلمين، فيجازيكم عليه نقيرًا وقطميرًا‏.‏ ‏{‏وإِنْ أدري لعله فتنةٌ لكم‏}‏ أي‏:‏ ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا امتحان لكم؛ لينظر كيف تعملون، أو استدراج لكم، وزيادة في افتتانكم، ‏{‏ومتاعٌ إلى حين‏}‏ أي‏:‏ تمتع لكم إلى حين موتكم؛ ليكون حجة عليكم، أو إلى أجل مقدر تقتضيه المشيئة المبنية على الحِكَم البالغة‏.‏

‏{‏قل ربِّ احكُم بالحق‏}‏ أي‏:‏ اقض بيننا وبين كفار مكة بالعدل، المقتضي لتعجيل العذاب‏.‏ فهو كقول شعيب عليه السلام‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق‏}‏ ‏[‏الأعرَاف‏:‏ 89‏]‏، أو بما يحق عليهم من العذاب، واشدد عليهم، كقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطأَتَكَ عَلَى مُضَرَ»، وقد استجيب دعاؤه- عليه الصلاة والسلام-، حيث عُذبوا ببدر أيّ تعذيب‏.‏ وقرأ الكسائي وحفص‏:‏ ‏{‏قال‏}‏؛ حكاية لدعائه صلى الله عليه وسلم‏.‏ ثم استعان بالله على إبطال ما كانوا يؤملون من النصرة لهم، وتكذيبهم في ذلك، فقال‏:‏ ‏{‏وربنا الرحمن‏}‏؛ كثير الرحمة على عباده، ‏{‏المستعان على ما تصفون‏}‏ من كون الغلبة لكم‏.‏ كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه، وكانوا يطمعون أن تكون الشركة والغلبة لهم، فكذب الله ظنونهم، وخيّب آمالهم، وغيّر أحوالهم، ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم، وخذلهم؛ لكفرهم‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

الإشارة‏:‏ قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه‏:‏ الأنبياء- عليهم السلام- خُلقوا من الرحمة، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو عين الرحمة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما أرسلناك إِلا رحمة للعالمين‏}‏‏.‏ ه‏.‏ وقال أيضًا‏:‏ الأنبياء- عليهم السلام- لأممهم صدقة، ونبينا صلى الله عليه وسلم لنا هدية‏.‏ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «وأنا النعمة المهداة»، فالصدقة للفقراء، والهدية للكبراء‏.‏ ثم إن غاية الرحمة‏:‏ الوصول إلى التوحيد الخاص؛ لأنه سبب الزلفى من الله والاختصاص، ولذلك أمره به، بعد أن جعله رحمة، فقال‏:‏ ‏{‏قل إنما يُوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الخ‏.‏ فمن أعرض عنه فقد أوذن بالبُعد والطرد‏.‏ ولعل تأخير العقوبة عنه، في الدنيا، استدراج ومتاع إلى حين‏.‏

ثم إن الصارف عن الدخول إلى التوحيد الخاص- وهو توحيد العيان-‏:‏ القواطع الأربع‏:‏ النفس، والشيطان، والدنيا، والهوى‏.‏ زاد بعضهم‏:‏ الناس- أي‏:‏ عوام الناس، فإذا حكم الله بين العبد وبين هذه القواطع، وصل إلى صريح المعرفة‏.‏ ‏{‏قل ربِّ احكم بالحق‏}‏؛ أي‏:‏ احكم بيني وبين عدوي بحكمك الحق، حتى تدفعه عني وتدمغَهُ، ‏{‏وربنا الرحمن المستعان‏}‏ به ‏{‏على ما تصفون‏}‏ من التعويق والتشغيب‏.‏ والله المستعان، وعليه أتوكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم‏.‏

سورة الحج

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ‏(‏1‏)‏ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ‏(‏2‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏زلزلة‏}‏‏:‏ مصدر مضاف إلى فاعله على المجاز، أو إلى الظرف، وهي الساعة‏.‏ و‏{‏يوم‏}‏‏:‏ منصوب بتذهل‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس اتقوا ربكم‏}‏، الخطاب عام لجميع المكلفين ممن وُجد عند النزول، وينخرط في سلكهم من سيُوجد إلى يوم القيامة‏.‏ ولفظ ‏{‏الناس‏}‏ يشمل الذكور والإناث‏.‏ والمأمور به مطلق التقوى، الذي هو امتثال الأوامر واجتناب النواهي ظاهرًا وباطنًا، والتعرض لعنوان الربوبية، مع إضافتها لضمير المخاطبين؛ لتأكيد الأمر، وتأكيد إيجاب الامتثال به؛ لأن الربوبية دائمة، والعبودية واجبة بدوامها، أي‏:‏ احذروا عقوبة مالك أموركم ومربيكم‏.‏

ثم علل وجوب التقوى بذكر بعض عقوبته الهائلة عند قيام الساعة، فقال‏:‏ ‏{‏إِن زلزلة الساعة شيء عظيم‏}‏، فإن ملاحظة عظمها وهولها وفظاعة ما هي من مبادئه ومقدماته، مما يوجب مزيد اعتناء بملابسة التقوى والتدرع بها‏.‏ والزلزلة‏:‏ التحرك الشديد والإزعاج العنيف، بطريق التكرير، بحيث تزيل الأشياء من مقارها، وتخرجها عن مراكزها، وهي الزلزلة المذكورة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا‏}‏ ‏[‏الزّلزَلة‏:‏ 1‏]‏ الآية‏.‏ واخْتُلِفَ في هذه الزلزلة وما ذكر بعدها، هل هي قيام الساعة عند نفخة الصعق، أو بعدها عند الحشر‏؟‏ فقال الحسن رضي الله عنه‏:‏ إنها تكون يوم القيامة‏.‏ وعن ابن عباس رضي الله عنه‏:‏ زلزلة الساعة‏:‏ قيامها‏.‏ وعن علقمة والشعبي‏:‏ أنها قبل طلوع الشمس من مغربها، فإضافتها إلى الساعة؛ لكونها من أشراطها‏.‏ قال الكواشي‏:‏ وهذه الزلزلة تكون قبل قيام الساعة من أشراطها‏.‏ قالوا‏:‏ ومن أشراط الساعة، قبل قيامها، ست آيات‏:‏ بينما الناس في أسواقهم، إذ ذهب ضوء الشمس، ثم تناثرت النجوم، ثم وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت الأرض، ففزع الإنسُ والجن، وماج بعض في بعض؛ خوفًا ودهشًا، فقالت الجنُ للإنس‏:‏ نحن نأتيكم بالخبر، فذهبوا، فرأوا البحار تَأَجَّجُ نارًا، فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض إلى الأرض السابعة، ثم جاءتهم الريح فماتوا‏.‏ ه‏.‏ وانظر ابن عطية‏.‏ قاله المحشي‏.‏ والتحقيق‏:‏ ما قدمناه عند قوله‏:‏ ‏{‏واقترب الوعد الحق‏}‏ ‏[‏الأنبيَاء‏:‏ 97‏]‏، وأنَّ الريح إنما تقبض أرواح المؤمنين، وهذه الزلزلة إنما تقع عند نفخة الصعق‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏ وفي التعبير ب ‏{‏شيء عظيم‏}‏ إيذان بأن العقول قاصرة عن إدراك كنهها، والعبارة ضيقة، لا تحيط بها إلا على وجه الإبهام‏.‏

ثم هوَّل شأنها، فقال‏:‏ ‏{‏يوم ترونها‏}‏ أي‏:‏ الزلزلة، وتُشاهدون هول مطلعها، ‏{‏تذهل كل مرضعة‏}‏ أي‏:‏ مباشرة للإرضاع، ‏{‏عما أرضعت‏}‏ أي‏:‏ تغفل وتغيب، من شدة الدهش عما هي بصدد إرضاعه من طفلها، الذي ألقمته ثديها‏.‏ فالمرضعة، بالتاء، هي المباشرة الإرضاع بالفعل، والمرضع- بلا تاء- لمن شأنها ترضع، ولو لم تباشر الإرضاع‏.‏ والتعبير عنه «بما»، دون «من»؛ لتأكيد الذهول، كأنها من شدة الهول لا تدري من هو بخصوصه، وقيل‏:‏ «ما» مصدرية، أي‏:‏ تذهل عن إرضاعها‏.‏

والأول أدل على شدة الهول وكمال الانزعاج‏.‏

‏{‏وتضع كل ذات حملٍ حملها‏}‏ أي‏:‏ تلقى جنينها من غير تمام، كما أن المرضعة تذهل عن ولدها قبل الفطام‏.‏ وهذا على قول من يقول‏:‏ إنها قبل نفخة الصعق ظاهر، وأما على من يقول، إنها بعد قيام الساعة، فقد قيل‏:‏ إنه تمثيل؛ لتهويل الأمر وشدته‏.‏ ‏{‏وترى الناس سُكارى‏}‏ أي‏:‏ وترى أيها الناظر الناس سكارى، على التشبيه، من شدة الهول، كأنهم سكارى لمّا شاهدوا بساط العزة وسلطنة القهرية، حتى قال كلُّ نبي‏:‏ نفسي نفسي‏.‏ ‏{‏وما هم بسُكارى‏}‏ على التحقيق، ‏{‏ولكنَّ عذاب الله شديد‏}‏، فخوف عذابه هو الذي أذهل عقولهم، وطيَّر تمييزهم، وردهم في حال من يَذهب السكُر بعقله وتمييزه‏.‏ وعن الحسن‏:‏ وترى الناس سكارى من الخوف، وما هم بسكارى من الشراب‏.‏ وقرئ‏:‏ ‏(‏سكْرى‏)‏؛ كعطشى‏.‏ والمعنى واحد، غير أن فعلى يختص بما فيه آفة، كجرحى وقتلى ومرضى‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ يا أيها الناس اتقوا ربكم وتوجهوا إليه بكليتكم، حتى تُشرق على قلوبكم أنوار ربكم، فتزلزل أرض نفوسكم، وتدك جبال عقولكم، عند سطوح شمس العرفان، والاستشراف على مقام الإحسان‏.‏ إن زلزلة الساعة، التي تشرف فيها على أسرار الذات، شيء عظيم‏.‏ يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، لو كانت أنثى، وتضع كل ذات حمل حملها كذلك، أو تضع كل ذات حمل أثقالها؛ بالغيبة في ربها، وترى الناس سكارى من خمر المحبة، وما هم بسكارى من شراب الدَّوالي، لكن من خمر الكبير المتعالي، كما قال الششتري في الخمرة الأزلية- بعد كلام-‏:‏

لاَ شَرابَ الدَّواليِ إِنَّها أَرْضِيَّة *** خَمْرُهَا دُون خَمْرِي خَمْرَتِي أَزَلِيّة

ولكن عذاب الله- الذي قدمه قبل دخول جنته المعنوية وحفت به، وهي جنة المعارف- شديد، ولكنه يحلو في جانب ما ينال بعده، كما قال الشاعر‏:‏

والنَّفْسُ عَزَّتْ ولكنْ فيكَ أبْذُلُهَا *** والذُّلُّ مرٌّ ولكن في رضاكَ حَلاَ

يا من عذابِيَ عَذْبٌ في محبته *** لا أشتكي منك لا صَدّا ولا مَلَلا

تفسير الآيات رقم ‏[‏3- 4‏]‏

‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ ‏(‏3‏)‏ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ‏(‏4‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏ومن الناس‏}‏‏:‏ خبر، و‏{‏مَن يجادل‏}‏‏:‏ مبتدأ، و‏{‏بغير علم‏}‏‏:‏ حال من ضمير «يُجادل»، و‏{‏أنه‏}‏‏:‏ نائب فاعل ‏{‏كُتب‏}‏، أي‏:‏ كتب عليه إضلال من تولاه، و‏{‏فإنه‏}‏‏:‏ مَنْ فتح‏:‏ عنده خبر عن مبتدأ مضمر، أي‏:‏ فشأنه أن يضله، والجملة جواب «مَن»، إن جعلتها شرطية، وخبر، إنْ جعلتها موصولة متضمنة لمعنى الشرط، ومن كسر‏:‏ فخبر، أو جواب «مَنْ»‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏ومن الناس من يُجادل‏}‏ ويخاصم ‏{‏في الله‏}‏ أي‏:‏ في شأنه، ويقول ما لا يليق بجلال كبريائه وكمال قدرته، ملابسًا ‏{‏بغير علم‏}‏، بل بجهل عظيم حمله على ما فعل‏.‏ نزلت في النضر بن الحارث، وكان جَدلاً، يقول‏:‏ الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، ولا بعث بعد الموت، والله غير قادر على إحياء من بَلى وصار رميمًا‏.‏ وهي عامة له ولأضرابه من العتاة المتمردين، وكل من يخاصم في الدين بالهوى‏.‏ ‏{‏ويتَّبعُ‏}‏ في ذلك ‏{‏كلَّ شيطان مَرِيدٍ‏}‏؛ عاتٍ متمرد، مستمر في الشر‏.‏ قال الزجاج‏:‏ المَريد والمارد‏:‏ المرتفع الأملس، أي‏:‏ الذي لا يتعلق به شيء من الخير، والمراد‏:‏ إما رؤساء الكفرة الذين يدعونهم إلى الكفر، وإما إبليس وجنوده‏.‏

ثم وصَف الشيطان المريد بقوله‏:‏ ‏{‏كُتِبَ عليه‏}‏ أي‏:‏ قضى على ذلك الشيطان ‏{‏أنه‏}‏ أي‏:‏ الأمر والشأن ‏{‏مَن تولاه‏}‏ أي‏:‏ اتخذه وليًا وتبعه، ‏{‏فأنَّه‏}‏ أي‏:‏ الشيطان ‏{‏يُضِلُّه‏}‏ عن سواء السبيل، ‏{‏ويهديه إِلى عذاب السعير‏}‏ أي‏:‏ النار‏.‏ والعياذ بالله‏.‏

الإشارة‏:‏ ومِن الناس من تنكبت عنه سابقةُ الخصوصية، فجعل يجادل في طريق الله، وينكر على المتوجهين إلى الله، إذا حرقوا عوائد أنفسهم، وسَدَّ الباب في وجوه عباد الله، فيقول‏:‏ انقطعت التربية النبوية، وذلك منه بلا عِلْمِ تحقيقٍ ولا حجةٍ ولا برهان، وإنما يتبع في ذلك كُلَّ شيطان مريد، سوَّل له ذلك وتبعه فيه‏.‏ كُتب عليه أنه من تولاه، وتبعه في ذلك، فإنه يُضله عن طريق الخصوص، الذين فازوا بمشاهدة المحبوب، ويهديه إلى عذاب السعير، وهو غم الحجاب والحصر في سجن الأكوان، وفي أسر نفسه وهيكل ذاته، عائذًا بالله من ذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 7‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ‏(‏5‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏6‏)‏ وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ‏(‏7‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث‏}‏ أي‏:‏ إن شككتم في أمر البعث، فمُزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم، وقد كنتم في الابتداء تُرابًا وماء، وليس سبب إنكاركم بالبعث إلا هذا، وهو صيرورة الخلق ترابًا وماء، فكما بدأكم منه يعيدكم منه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فإِنّا خلقناكم‏}‏ أي‏:‏ أباكم ‏{‏من تراب، ثم‏}‏ خلقناكم ‏{‏من نطفة ثم من علقة‏}‏ أي‏:‏ قطعة دم جامدة، ‏{‏ثم من مضغة‏}‏ أي‏:‏ لحمة صغيرة، بقدر ما يمضغ، ‏{‏مُخَلَّقةٍ‏}‏ أي‏:‏ مصورة الخلقة، ‏{‏وغيرِ مُخَلَّقةٍ‏}‏ أي‏:‏ لم يتبين خلقها وصورتها بعدُ‏.‏ والمراد‏:‏ تفصيل حال المضغة؛ من كونها أولاً مضغة، لم يظهر فيها شيء من الأعضاء، ثم ظهرت بعد ذلك شيئًا فشيئًا‏.‏ وكان مقتضى الترتيب أن يُقدم غير المخلقة على المخلقة، وإنما أخرت عنها؛ لأنها عدم الملكة، والملكة أشرف من العدم‏.‏

وإنما فعلنا ذلك؛ ‏{‏لنُبيِّنَ لكم‏}‏، بهذا التدريج، كمال قدرتنا وحكمتنا؛ لأن من قدر على خلق البشر من تراب أولاً، ثم من نطفة ثانيًا، وقدر على أن يجعل النطفةَ علقةً، والعلقة مضغة، والمضغة عظامًا، قدر على إعادة ما بدأ، بل هو أهون في القياس ‏{‏ونُقِرُّ‏}‏ أي‏:‏ نثبت ‏{‏في الأرحام ما نشاء‏}‏ ثبوته ‏{‏إِلى أجلٍ مسمى‏}‏‏:‏ وقت الولادة، وما لم نشأ ثبوته أسقطته الأرحام‏.‏ ‏{‏ثم نُخرِجُكم‏}‏ من الرحم ‏{‏طفلاً‏}‏، أي‏:‏ حال كونكم أطفالاً‏.‏ والإفراد باعتبار كل واحد منهم، أو بإرادة الجنس، ‏{‏ثم لتبلغوا أشدَّكم‏}‏ أي‏:‏ ثم نربيكم؛ لتبلغوا كمال عقلكم وقوتكم‏.‏ والأشد‏:‏ من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل له واحد‏.‏ ووقته‏:‏ قيل‏:‏ ثلاثون سنة، وقيل‏:‏ أربعون‏.‏

‏{‏ومنكم مَن يُتوفى‏}‏ قبل بلوغ الأشد أو بعده، ‏{‏ومنكم من يُردُّ إِلى أرذل العُمُر‏}‏ أي‏:‏ أخسه، وهو الهرَمُ والخرف، ‏{‏لكيلا يعلمَ من بعد علم شيئًا‏}‏ أي‏:‏ لكيلا يعلم شيئًا من بعد ما كان يعلمه من العلوم، مبالغة في انتقاص علمه، وانتكاس حاله، أي‏:‏ ليعود إلى‏:‏ ما كان عليه في أوان الطفولية، من ضعف البنية، وسخافة العقل، وقلة الفهم، فينسى ما علمه، وينكر ما عرفه، ويعجز عما قدر عليه‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ من قرأ القرآن، وعمل به، لا يلحقه أرذل العمر‏.‏ ثم ذكر دليلاً آخر على البعث، فقال‏:‏ ‏{‏وترى الأرض هامدةً‏}‏‏:‏ ميتة يابسة، ‏{‏فإِذا أنزلنا عليها الماء اهتزت‏}‏؛ تحركت بالنبات ‏{‏ورَبَتْ‏}‏؛ انتفخت ‏{‏وأنبتتْ من كل زوج‏}‏‏:‏ صنف ‏{‏بهيج‏}‏‏:‏ حسن رائق يسر ناظره‏.‏

‏{‏ذلك بأن الله هو الحق‏}‏ أي‏:‏ ذلك الذي ذكرنا؛ من خلق بني آدم، وإحياء الأرض، مع ما في تضاعيف ذلك من أصناف الحِكم، حاصل بهذا، وهو أن الله هو الحق، أي‏:‏ الثابت الوجود‏.‏ هكذا للزمخشري ومن تبعه، وقال ابن جُزَي‏:‏ والظاهر‏:‏ أن الياء ليست سببية، كما قال الزمخشري، وهو أيضًا مقتضى تفسير ابن عطية، وإنما يُقدر لها فعل يتعلق به ويقتضيه المعنى، وذلك أن يكون التقدير‏:‏ ذلك الذي تقدم من خلق الإنسان والنبات، شاهد بأن الله هو الحق، وبأنه يحيي الموتى، وبأن الساعة آتية، فيصح عطف ‏{‏وأن الساعة‏}‏ على ما قبله، بهذا التقدير، وتكون هذه الأشياء المذكورة، بعد قوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏، مما استدل عليه بخلقة الإنسان والنبات‏.‏

ه‏.‏

قال المحشي الفاسي‏:‏ ويرد عليه‏:‏ أن تقديره عاملاً خاصًا يمنع حذفه، وإنما يحذف إذا كان كونًا مُطلقًا، فلا يقال‏:‏ زيد في الدار، وتريد ضاحكٌ مثلاً، إلا أن يقال في الآية‏:‏ دل عليه السياق، فكأنه مذكور‏.‏ وعند الكواشي‏:‏ ليعلموا بأن الله هو الحق‏.‏ وقال القرطبي‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏ذلك بأن الله هو الحق‏}‏، لمّا ذكر افتقار الموجودات إليه، وتسخيرها على وفق اقتداره واختياره، قال بعد ذلك‏:‏ ‏{‏ذلك بأن الله هو الحق‏}‏، نبه بهذا على أن كل ما سواه، وإن كان موجودًا؛ فإنه لا حقيقة له من نفسه؛ لأنه مسخر ومُصَرفٌ، والحق الحقيقي هو الموجود المطلق، الغني المطلق، وإنَّ وجود كل موجود من وجوب وجوده، ولهذا قال في آخر السورة‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الباطل‏}‏ ‏[‏الحَجّ‏:‏ 62‏]‏، والحق هو الوجود الثابت، الذي لا يزول ولا يتغير، وهو الله تعالى‏.‏ ثم قال عن الزجاج‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ في موضع رفع، أي‏:‏ الأمر ما وُصِفَ لكم وبُيِّن؛ لأن الله تعالى هو الحق، ويجوز كونه في مَوْضِع نصب، أي‏:‏ فعل ذلك بأن الله هو الحق، قادر على ما أراد‏.‏ ه‏.‏

وذلك أيضًا شاهد بأنه ‏{‏يُحيي الموتى‏}‏ كما أحيا الأرض، مرة بعد أخرى، ‏{‏وأنه على كل شيء قدير‏}‏ أي‏:‏ مبالغ في القدرة، وإلاَّ لَمَا أوجد هذه الموجودات الفائتة الحصر‏.‏ وتخصيص إحياء الموتى بالذكر، مع كونه من جملة الأشياء المقدور عليها؛ للتصريح بما فيه النزاع، وللطعن في نحور المنكرين‏.‏ ‏{‏وأنَّ الساعة آتيةً‏}‏‏:‏ قادمة عليكم، ‏{‏لا ريبَ فيها‏}‏، وإيثار اسم الفاعل على الفعل؛ للدلالة على تحقق إتيانها وتقريره ألْبَتَّةَ‏.‏ ومعنى نفي الريب عنها‏:‏ أنها، في ظهور أمرها ووضوح دلائلها، بحيث ليس فيها مظنة الريب، ‏{‏وأنَّ الله يبعثُ من في القبور‏}‏؛ لأنه تعالى حكم بذلك ووعد به، وهو لا يخلف الميعاد، والتعبير ب «من في القبور»‏:‏ خرج مخرج الغالب، وإلاَّ فهو يبعث كل من يموت‏.‏ والله تعالى أعلم وأحكم‏.‏

الإشارة‏:‏ يا أيها الناس المنكرون لوجود التربية النبوية، وظهور أهل الخصوصية في زمانهم، الذين يحيي الله الأرواح الميتة، بالجهل والغفلة، على أيديهم؛ إن كنتم في ريب من هذا البعث فانظروا إلى أصل نشأتكم وتنقلات أطواركم، فمن فعل ذلك وقدر عليه، قدر أن يحيي النفوس الميتة بالغفلة في كل زمان‏.‏ وفي الحِكَم‏:‏ «من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يُخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدرًا»‏.‏ وجرت عادته أنه لا يحييها في الغالب إلا على أيدي أهل الخصوصية‏.‏ وترى أرض النفوس هامدة ميتة بالغفلة، فإذا أنزلنا عليها ماء الحياة، وهي الواردات الإلهية، وأسقيناها الخمرة القدسية، اهتزت فرحًا بالله، وربت، وارتفعت بالعلم بالله، وأنبتت من أصناف العلوم والحكم، ما تَبْهَجُ منه العقول، ذلك شاهد بوحدانية الحق، وأن ما سواه باطل‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 10‏]‏

‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ‏(‏8‏)‏ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ‏(‏9‏)‏ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ‏(‏10‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏ومن الناس من يُجادل في الله‏}‏ أي‏:‏ في شأنه، فيصفه بغير ما هو أهله، وهو أبو جهل، كما قال ابن عباس رضي الله عنه، وقيل‏:‏ هو من يتصدى لإضلال الناس، كائنًا من كان‏.‏ حال كونه ‏{‏بغير علم‏}‏، بل بجهل وهوىً‏.‏ والمراد بالعلم‏:‏ الضروري، كما أن المراد بالهدى في قوله‏:‏ ‏{‏ولا هُدىً‏}‏‏:‏ هو الاستدلال والنظر الصحيح، الهادي إلى المعرفة‏.‏ ‏{‏ولا كتابٍ منير‏}‏ أي‏:‏ وحي يستند إليه، والحجة إنما تقوم بأحد هذه الثلاثة، أي‏:‏ يجادل في شأنه تعالى، من غير تمسك بمقدمة ضرورية، ولا بحجة نظرية، ولا برهان سمعي‏.‏

حال كونه ‏{‏ثانِيَ عِطْفِه‏}‏ أي‏:‏ لاويًا عُنُقَهُ عن طاعة الله؛ كبرًا وعُتوًا، أو عاطفًا بجانبه، وطاويًا كَشْحَهُ، معرضًا متكبرًا، فثنْي العطف كناية عن التكبر‏.‏ وقرأ الحسن بفتح العين، أي‏:‏ مانعًا تعطفه على المساكين؛ قسوةً‏.‏ فعل ذلك الجدال ‏{‏ليضلَّ عن سبيل الله‏}‏ أي‏:‏ ليضل الناس عن سبيل الله؛ فإنَّ غرضه بالمجادلة إضلال المؤمنين، أو جميع الناس، وقرأ المكي وأبو عمر‏:‏ بفتح الياء، أي‏:‏ ليصير ضالاً عن سبيل الله‏.‏ وجعل ضلاله غاية لجداله، من حيث إن المراد به الضلال المبين، الذي لا هداية بعده، مع تمكنه منها قبل ذلك، أي‏:‏ ليرسخ في الضلالة أيّ رسوخ، ‏{‏له في الدنيا خِزيٌ‏}‏‏:‏ هوان وذُل، وهو القتل يوم بدر، وهو بيانُ نتيجةِ ما سلكه من الطريقة، أي‏:‏ يثبت له، بسبب ما فعل، خزي وصغار، وهو ما أصابه ببدر، ‏{‏ونُذِيقه يومَ القيامة عذابَ الحريق‏}‏ أي‏:‏ النار المحرقة‏.‏

‏{‏ذلك‏}‏ أي‏:‏ ما ذكر من العذاب الدنيوي والأخروي‏.‏ وما في الإشارة من البُعد؛ للإيذان بكونه في الغاية القاصية من الهول والفظاعة، أي‏:‏ ذلك العذاب الهائل ‏{‏بما قدمتْ يداك‏}‏ أي‏:‏ بسبب ما اقترفْتَهُ من الكفر والمعاصي‏.‏ وإسناده إلى يديه؛ لأن الاكتساب في الغالب بهما‏.‏ والالتفات؛ لتأكيد الوعيد وتشديد التهديد‏.‏ أو يقال له يوم القيامة‏:‏ ‏{‏ذلك بما قدمت يداك وأنَّ الله ليس بظلام للعبيد‏}‏، فلا يأخذ أحدًا بغير ذنب ولا بذنب غيره‏.‏ وهو خبر عن مضمر، أي‏:‏ والأمر أنَّ الله ليس بمعذبٍ لعبيده بغير ذنب، وأما عطفه على «بما» فغير سديد، ولفظ المبالغة؛ لاقترانه بلفظ الجمع في العبيد، ولأن قليل الظلم منه، مع علمه بقبحه واستغنائه عنه، كالكثير منا‏.‏ قاله النسفي‏.‏

وقِيل‏:‏ ‏{‏ظلام‏}‏‏:‏ بمعنى‏:‏ ذي ظلم، فتكون الصيغة للنَّسَبِ‏.‏ والتعبير عن ذلك بنفي الظلم، مع أن تعذيبهم بغير ذنب، ليس بظلم قطعًا، على ما تقرر في مذهب أهل السنة، فضلاً عن كونه ظلمًا بالغًا؛ لأن الحق تعالى إنما يُظهر لنا كمال العدل، وغاية التنزيه، وإن كان في نفس الأمر جائز أن يعذب عباده بلا ذنب، ولا يسمى ظلمًا؛ لأنه تصرف في ملكه، لكنه تعالى لم يظهر لنا في عالم الشهادة إلا كمال العدل‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ من يخاصم في طريق القوم، وينفيها عن أهلها، إما أن يكون تقليدًا، وهو ما تقدم، أو يكون تكبرًا وعتوًا، بحيث لم يرض أن يحط رأسه لهم، وهو ما أشير إليه هنا‏.‏ ولا شك أن المتكبر لا بد أن يلحقه ذل، ولو عند الموت‏.‏ ويوم القيامة يُحشر صاغرًا كالذر، كما في الحديث‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 13‏]‏

‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ‏(‏11‏)‏ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ‏(‏12‏)‏ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ‏(‏13‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏لَمَن ضره‏}‏‏:‏ قال ابن عطية‏:‏ جرى فيه إشكال؛ وهو دخول اللام على «مَنْ»، وهو في الظاهر مفعول، واللام لا تدخل على المفعول‏.‏ وأجيب بثلاثة أوجه؛ أحدها‏:‏ أن اللام متقدمة على موضعها، والأصل أن يقال‏:‏ يدعو مَنْ لَضَرُّهُ أقرب، فموضعها الدخول على المبتدأ، وثانيها‏:‏ أنَّ ‏{‏يدعوا‏}‏ تأكيد ليدعو الأول، وتم الكلام عنده، ثم ابتدأ قوله‏:‏ ‏{‏لَمَن ضره‏}‏، فمن مبتدأ، وخبره‏:‏ ‏{‏لبئس المولى‏}‏- قلت-‏:‏ وإياه اعتمد الهبطي في وقفه، وثالثها‏:‏ أن معنى ‏{‏يدعو‏}‏‏:‏ يقول يوم القيامة هذا الكلام، إذا رأى مضرة الأصنام، فدخلت اللام على مبتدأ في أول الكلام‏.‏ ه‏.‏

قلت والأقرب ما قاله الزجاج، وهو‏:‏ أن مفعول ‏{‏يدعو‏}‏ محذوف، ويكون ضميرًا يعود على الضلال، وجملة‏:‏ ‏{‏يدعو‏}‏‏:‏ حال، والمعنى‏:‏ ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، أي‏:‏ حال كونه مدعوًا له، ويكون قوله‏:‏ ‏{‏لمن ضره‏}‏ مستأنفًا مبتدأ، خبره‏:‏ ‏{‏لبئس المولى‏}‏‏.‏ نقله المحشي‏.‏ وحكم المحلي بزيادة اللام‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏ومن الناس من يعبد الله على حَرْفٍ‏}‏ أي‏:‏ على طرف من الدين لا ثبات له فيه، كالذي ينحرف إلى طرف الجيش، فإن أحس بظفر قرَّ، وإلا فر‏.‏ وفي البخاري عن ابن عباس‏:‏ «كان الرجل يَقدمُ المدينة، فإن ولدت امرأتُهُ غلامًا ونُتجَتْ خَيْلُه، قال‏:‏ هذا دينٌ صالح، وإن لم تَلِد امرأته، ولم تنتج خيلُه، قال‏:‏ هذا الدين سُوء»‏.‏ وكأن الحق تعالى سلك في الآية مسلك التدلي، بدأ بالكافر المصمم، يجادل جدالاً مجملاً، يتبع فيه كل شيطان مريد‏.‏ والثاني‏:‏ مقلد مجادل، من غير دليل ولا برهان، والثالث‏:‏ كافر أسلم إسلامًا ضعيفًا‏.‏ ثم قابل الأقسام الثلاثة بضدهم، بقوله‏:‏ ‏{‏إن الله يدخل الذين آمنوا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

ثم كمَّل حال المذبذب بقوله‏:‏ ‏{‏فإِن أصابه خيرٌ‏}‏ أي‏:‏ دنيوي؛ من الصحة في البدن، والسعة في المعيشة، ‏{‏اطمأن به‏}‏ أي‏:‏ ثبت على ما كان عليه ظاهرًا، لا أنه اطمأن به اطمئنان المؤمنين، الذين لا يلويهم عنه صارف، ولا يثنيهم عنه عاطف‏.‏ ‏{‏وإِن أصابته فتنةٌ‏}‏‏:‏ بلاء في جسده، وضيق في معيشته، أو شيء يفتتن به، من مكروه يعتريه في بدنه أو أهله أو ماله، ‏{‏انقلب على وجهه‏}‏ أي‏:‏ ارتد ورجع إلى الكفر، كأنه تنكس بوجهه إلى أسفل‏.‏ أو انقلب على جهته التي كان عليها‏.‏ وتقدم عن ابن عباس أنها نزلت في أعاريب قدموا المدينة، مهاجرين، فكان أحدهم إذا صحَّ بدنه ونتجَتْ فَرَسُه مُهْرًا سريًا، وولدت امرأته غلامًا سويًا، وكَثُرَ مالُه وماشيته، قال‏:‏ ما أصبتُ، مذ دخلت في ديني هذا، إلا خيرًا، واطمأن، وإن كان الأمر خلافه، قال‏:‏ ما أصبتُ إلا شرًّا، وانقلب عن دينه‏.‏ وعن أبي سعيد رضي الله عنه‏:‏ أَنَّ يهُوديًا أَسْلَمَ فَأَصابَتْهُ مَصَائبُ، وتَشَاءَمَ بالإِسْلامِ، فَأَتَى النَّبي صلى الله عليه وسلم فَقَال‏:‏ أَقِلْنِي، فقال‏:‏

«إنَّ الإسْلاَمَ لا يُقالُ» فَنَزلت‏.‏

‏{‏خَسِرَ الدنيا والآخرة‏}‏‏:‏ فَقَدَهُما، وضيعهما؛ بذهاب عصمته، وحبوط عمله بالارتداد‏.‏ وقرأ يعقوب‏:‏ خاسر، على حال‏.‏ ‏{‏ذلك هو الخسران المبين‏}‏؛ الواضح، الذي لا يخفى على أحد أنه لا خسران مثله‏.‏

ثم بيَّن وجه خسرانه بقوله‏:‏ ‏{‏يدعو‏}‏ أي‏:‏ يعبد ‏{‏مِن دون الله‏}‏ أي‏:‏ متجاوزًا عنه تعالى، ‏{‏ما لا يضرُّه‏}‏ إذا لم يعبده، ‏{‏وما لا ينفعه‏}‏ إذا عبده‏.‏ ‏{‏ذلك‏}‏ الدعاء ‏{‏هو الضلالُ البعيد‏}‏ أي‏:‏ التلف البعيد عن الحق‏.‏

‏{‏يدعو‏}‏ أي‏:‏ يعبد ‏{‏لَمَن ضَرُّهُ‏}‏ أي‏:‏ الصنم الجامد الذي ضرره ‏{‏أقربُ من نفعه‏}‏‏.‏ وقرأ ابن مسعود‏:‏ «يدعو من ضره»، بحذف اللام‏.‏ أو‏:‏ ذلك هو الضلال البعيد يدعوه هذا المذبذب المنقلب على وجهه‏.‏ قال ابن جزي‏:‏ وهنا إشكال‏:‏ وهو أنه تعالى وصف الأصنام بأنها لا تضر ولا تنفع، ثم وصفها بأن ضررها أكثر من نفعها، فنفى الضر ثم أثبته‏؟‏ والجواب‏:‏ أن الضر المنفي أولاً يُراد به ما يكون من فعلها، وهي لا تفعل شيئًا، والضر الثاني، الذي أثبته لها، يُراد به ما يكون بسببها من العذاب وغيره‏.‏ ه‏.‏ ‏{‏لبئس المولى‏}‏ أي‏:‏ الناصر، ‏{‏ولبئس العَشِيرُ‏}‏ أي‏:‏ الصاحب‏.‏ أو يدعو ويصرخ يوم القيامة، حين يرى استضراره بالأصنام، ولا يرى لها أثر الشفاعة، ويقول لِمَنْ ضره أقرب من نفعه‏:‏ لبئس المولى هو ولبئس العشير‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ ومن الناس من يعبد الله على حرف؛ على طرف من الدين، غير متمكن فيه، فإنه أصابه خير، وهو ما تُسر به النفس من أنواع الجمال، اطمأن به، وإن أصابته فتنة، وهو ما يؤلم النفس وينغص عليها مرادها وشهوتها من أنواع الجلال، انقلب على وجهه‏.‏ أو‏:‏ ومن الناس من يعبد الله على طمع في الجزاء الدنيوي أو الأخروي، فإن أصابه خير فرح واطمأن به وإن أصابته فتنة سخط وقنط وانقلب على وجهه‏.‏ أو‏:‏ ومن الناس من يعبد الله ويسير إليه على حرف، أي‏:‏ حالة واحدة، فإن أصابه خير؛ كقوة ونشاط وورود حال؛ اطمأن به وفرح، وإن أصابته فتنة؛ كضعف وكسل وذهاب حال، انقلب على وجهه، ورجع إلى العمومية، أو وقف عن السير، خسر الدنيا والآخرة‏.‏ خسران الدنيا‏:‏ ما يفوته من عزّ الله ونصره لأوليائه، وحلاوة برد الرضا والتسليم، ولذيذ مشاهدته‏.‏ وخسران الآخرة‏:‏ ما يفوته من درجة المقربين ودوام شهود رب العالمين- فالواجب على العبد أن يكون عبدًا لله في جميع الحالات، لا يختار لنفسه حالاً على حال، ولا يقف مع مقام ولا حال، بل يتبع رياح القضاء، ويدور معها حيث دارت، ويسير إلى الله في الضعف والقوة‏.‏

قال بعضهم‏:‏ سيروا إلى الله عَرْجَى ومكاسير‏.‏ وفي الحكم‏:‏ «إلهي؛ قد علمتُ، باختلاف الآثار وتنقلات الأطور أن مرادك مني أن تتعرف إليّ في كل شيء، حتى لا أجهلك في شيء»‏.‏ وقال أيضًا‏:‏ «لا تطلبن بقاء الواردات، بعد أن بسطت أنوارها، وأودعت أسرارها، فلك في الله غنى عن كل شيء، وليس يغنيك عنه شيء»‏.‏ فكن عبد المحوِّل، ولا تكن عبد الحال، فالحال تَحُولُ وتتغير، والله تعالى لا يحول ولا يزول، فكن عبدًا لله، ولا تكن عبدًا لغيره‏.‏

لِكَلِّ شَيء إن فارقْتَهُ عِوَضٌ *** وَلَيْسَ لله إنْ فَارقَْتَ مِنْ عِوَض

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ‏(‏14‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏إِن الله يُدخلُ الذين آمنوا‏}‏، وتمكنوا من الإيمان، وعبدوا الله وحده في جميع الحالات، ولم يعبدوه على حرف، ‏{‏وعملوا‏}‏ الأعمال ‏{‏الصالحات‏}‏، ‏{‏جناتٍ تجري من تحتها‏}‏ أي‏:‏ من تحت قصورها ‏{‏الأنهارُ‏}‏ الأربعة‏.‏ وهذا بيان حال المؤمنين العابدين له تعالى في جميع الحالات، وأنَّ الله تفضل عليهم، بما لا غاية وراءه، إثر بيان سوء حال الكفرة، من المجاهرين والمذبذبين، وأنَّ معبودهم لا ينفعهم، بل يضرهم مضرة عظيمة‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِن الله يفعل ما يريد‏}‏ من الأفعال المتقنة، المبنية على الحِكَم البالغة الرائقة، التي من جملتها‏:‏ إثابة من آمن به، وصدّق رسوله، وعبده على كل حال، وعقابُ من أشرك به، وكذب رسول الله، أو عبده على حرف‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

الإشارة‏:‏ إن الله يُدخل الذين آمنوا، واطمأنوا به، وعبدوه في جميع الحالات، وقاموا بعمل العبودية في كل الأوقات، جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، إن الله يفعل ما يريد؛ فيقرب هذا، ويُبعد هذا، بلا سبب؛ «جَلَّ حُكْمُ الأزلِ أن يُضَافَ إلى العِلَلِ»‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 16‏]‏

‏{‏مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ‏(‏15‏)‏ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ ‏(‏16‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ لا تظنوا أن الله غير ناصر لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ بل هو ناصر له في الدنيا والآخرة لا محالة، فمن كان ‏{‏يظن أن لن ينصرهُ الله في الدنيا والآخرة‏}‏، ويغيظه ذلك من أعاديه وحُساده، ويفعل ما يدفع ذلك؛ من الخدع والمكائد، فليبالغ في استفراغ المجهود، وليجاوز كل حد معهود، فعاقبة أمره أن يختنق خنقًا من ضلال مساعيه، وعدم إنتاج مقدماته ومبادئه‏.‏ ‏{‏فليمدد بسبب إِلى السماء‏}‏ أي‏:‏ فليمدُد حبلاً إلى سقف بيته، ‏{‏ثم ليقطع‏}‏ أي‏:‏ ليختنق، من قَطعَ‏:‏ إذا اختنق؛ لأنه يقطع نفَسه بحبس مجاريه‏.‏ أو‏:‏ ليقطع من الأرض، بعد ربط الحبل في العنق وربطه في السقف‏.‏

‏{‏فلينظر هل يُذهِبَنَّ كيدُه‏}‏ أي‏:‏ فليصور في نفسه أنه إن فعل ذلك؛ هل يذهب نصر الله الذي يغيظه بسبب فعله، وسمى فعله كيدًا، على سبيل الاستهزاء؛ لأنه لم يكد به محسوده، إنما كاد به نفسه‏.‏ والمراد‏:‏ ليس في يده إلا ما لَيْسَ بمُذهب لما يغيظه، فَتَحَصَّل أن الضمير في ‏{‏ينصره‏}‏ يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يتقدم ذكره صراحة، لكنه معهود؛ إذ الوحي إنما ينزل عليه‏.‏ وقيل‏:‏ يعود على ‏{‏مَن‏}‏، والمعنى على هذا‏:‏ من ظن- بسبب ضيق صدره، وكثرة غمه- أن لن ينصره الله، فليختنق وليمت بغيظه، فإنه لا يقدر على غير ذلك، فموجب الاختناق، على هذا، القنوطُ والسخط من القضاء، وسوء الظن بالله تعالى، حتى يئس من نصره‏.‏

قال ابن جزي‏:‏ وهذا القول أرجح من الأول؛ لوجهين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن هذا القول مناسب لمن يعبد الله على حرف؛ لأنه، إذا أصابته فتنة، انقلب وقنط، حتى ظنّ أن لن ينصره الله‏.‏ ويؤيده من فسّر ‏{‏أن لن ينصره الله‏}‏ أي‏:‏ لن يرزقه؛ إذ لا خير في حياة تخلو من عون الله عزّ وجلّ، فيكون الكلام، على هذا، متصلاً بما قبله‏.‏ ويؤيده أيضًا‏:‏ قوله تعالى، قبله‏:‏ ‏{‏إن الله يفعل ما يريد‏}‏ أي‏:‏ الأمور بيد الله، فلا ينبغي لأحد أن يسخط من قضاء الله، ولا ينقلب إذا أصابته فتنة، والوجه الثاني‏:‏ أن الضمير في «ينصره»، على هذا، يعود على ما تقدّمه ذكر، دون الأول‏.‏ ه‏.‏ وانظر ابن عطية والكواشي، ففيهما ما يدفع درك ابن جزي، ورده للأول، بما في سبب الآية ونزولها من المناسبة‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك أنزلناه آيات‏}‏ أي‏:‏ ومثل ذلك الإنزال البديع، المنطوي على الحِكَم البالغة، أنزلناه، أي‏:‏ القرآن الكريم كله، حال كونه ‏{‏آيات بيناتٍ‏}‏ واضحات الدلالة على معانيها الرائقة، ‏{‏وأن الله يهدي‏}‏ به ‏{‏مَن يريد‏}‏ هدايته؛ ابتداء، أو يثبته على الهُدى دوامًا، ومحل «أن»‏:‏ إما الجار، أي‏:‏ ولأن الله يهدي، أو الرفع، أي‏:‏ والأمر أن الله يهدي من يريد‏.‏

الإشارة‏:‏ من غلبته نفسُه، وملكته وأسرته في يدها؛ فدواؤه‏:‏ الفزع إلى الله، والاضطرار إليه آناء الليل والنهار، والمنهاج الواضح في علاجها وقهرها‏:‏ هو الفزع إلى أولياء الله، العارفين به، الذين سلكوا طريق التربية على يد شيخ كامل، فإذا ظفر بهم، فليلزم صُحبتهم، وليتبع طريقهم، وليسارع إلى فعل كل ما يشيرون به إليه، من غير تردد ولا توقف، فهم معناه، شرعًا، أم لا، فلا شك أن الله ينصره ويُؤيده، ويظفر بنفسه في أسرع مدة‏.‏ وليس الخبر كالعيان، وجَرِّبْ‏.‏‏.‏‏.‏ ففي التجريب علم الحقائق، وكذلك من ابتلي بالوسواس وخواطر السوء في أمر التوحيد، فليفزع إليه، حتى يقلعوا من قلبه عروق الشكوك والأوهام، وتذهب عنه الأمراض والأسقام، بإشراق شمس العرفان على قلبه، ويُفضي إلى طريق الذوق والوجدان، وغير هذا عناء وتعب، ولو فرض أنه يسكن عنه ذلك، فلا يذهب عنه بالكلية، فربما يهيج عليه في وقت الضعف، عند الموت، فلا يستطيع دفعه، فيلقى الله بقلب سقيم‏.‏ والعياذ بالله‏.‏

فإن قلت‏:‏ هذا الذي دللتني عليه عزيز غريب، فقد دللتني على عَنقاء مغرب‏؟‏ قلت‏:‏ والله، إن حسنت الظن بالله وبعباد الله، واضطررت إليه اضطرار الظمآن إلى الماء، لوجدته أقرب إليك من كل شيء‏.‏ والله، لقد وجدناهم وظفرنا بهم، على مناهج الجنيد وأضرابه، يُغنون بالنظر، ويسيرون بالمريد حتى يقول له‏:‏ ها أنت وربك‏.‏ والمنة لله‏.‏ فمن ترك ما قلنا له، وآيس من الدواء، وظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة، فليمت غيظًا وقنطًا، فلا يضر إلا نفسه؛ لأن الله يهدي من يريد، فيوفقه للدواء، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‏(‏17‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ إنَّ ‏{‏الله يفصل‏}‏‏:‏ خبر «إنَّ» الأولى‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏إِن الذين آمنوا‏}‏ بما ذكر من الآيات البينات، أو بكل ما يجب الإيمان به- فيدخل ما ذكر دخولاً أوليًا- أي‏:‏ آمنوا بذلك، بهداية الله وإرادته، ‏{‏والذين هادوا والصابئين‏}‏، وهم قوم من النصارى، اعتزلوهم، ولبسوا المسوح، وقيل‏:‏ أخذوا من دين النصارى شيئًا، ومن دين اليهود شيئًا، وهم القائلون بأن للعالم أصلين‏:‏ نورًا وظلمة، ويعتقدون تأثير النجوم‏.‏ ‏{‏والمجوس‏}‏ وهم الذين يعبدون النار، ويقولون‏:‏ إن الخير من النور، والشر من الظلمة، ‏{‏والذين أشركوا‏}‏، وهم عبدة الأصنام؛ من العرب وغيرهم، فهذه ستة أديان، خمسة للشيطان، وواحد للرحمن‏.‏ ‏{‏إِن الله يفصِلُ بينهم يوم القيامة‏}‏؛ في الأحوال والأماكن، فلا يجازيهم جزاء واحدًا، ولا يجمعهم في موطن واحد‏.‏ أو يحكم بين المؤمنين، وبين الفرق الخمسة المتفقة على ملة الكفر، بإظهار المحق من المبطل، فيُكْرم المحق ويهين المبطل، ‏{‏إن الله على كل شيء شهيد‏}‏ أي‏:‏ عالم بكل شيء، مراقب لأحواله، حافظ له، مطلع على سره وعقده‏.‏ ومن قضية الإحاطة بتفاصيل كل فرد من أفراد الفرق المذكورة‏:‏ إجراء جزائه اللائق عليه، وهو أبلغ وعيد‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ كما يفصل اللهُ يوم القيامة بين الملل المستقيمة والفاسدة؛ يفصل أيضًا بين أرباب القلوب المستقيمة الصحيحة المعمورة بنور الله، وبين أرباب القلوب السقيمة الخاربة من النور، المعمورة بالظلمة من الوساوس والخواطر، فيرفع الأولين مع المقربين الصديقين، ويسقط الآخرين في أسفل سافلين، أو مع عامة أهل اليمين‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ‏(‏18‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏ألم ترَ‏}‏، أيها السامع، أو من يتأتى منه الرؤية، أي‏:‏ رؤية علم واستبصار، أو‏:‏ يا محمد، علمًا يقوم مقام العيان، ‏{‏أنَّ الله يسجد له‏}‏ أي‏:‏ ينقاد إليه انقيادًا تامًا ‏{‏مَن في السماواتِ‏}‏ من الملائكة، ‏{‏ومن في الأرض‏}‏ من الإنس والجن والملائكة‏.‏ ويحتمل أن تكون «من»؛ عامة للعاقل وغيره، فيدخل كل ما في السماوات من عجائب المصنوعات، وكل ما في الأرض من أنواع المخلوقات‏.‏ ويكون قوله‏:‏ ‏{‏والشمسُ والقمرُ والنجومُ والجبالُ والشجرُ والدوابُّ‏}‏، من عطف الخاص على العام؛ لاستبعاد ذلك منها عادة‏.‏ ويُحتمل أن يكون السجود على حقيقته، ولكن لا نفقه ذلك، كما لا نفقه تسبيحهم‏.‏

ونقل الكواشي عن أبي العالية‏:‏ ‏(‏ما في السماء نجم، ولا شمس، ولا قمر، إلا يقع ساجدًا حين تغيب، ثم لا ينصرف حتى يُؤذن له‏)‏‏.‏ وذكر في صحيح البخاري‏:‏ «أن الشمس لا تطلع حتى تسجد وتستأذن» وقال مجاهد‏:‏ ‏(‏سجود الجبال والشجر والدواب‏:‏ تَحَوُّلُ ظِلاَلِها‏)‏‏.‏ أو سجودُها‏:‏ طاعتها؛ فإنه ما من جماد إلا وهو مطيع لله تعالى، خاشع، يُسبح له‏.‏ شَبَّه طاعتها له وانقيادها لأمره بسجود المكلف الذي كلٌّ خضوعٌ دونه‏.‏

‏{‏وكثيرٌ من الناس‏}‏ يسجد لله تعالى سجود طاعة وعبادة، ‏{‏وكثيرٌ حقَّ عليه العذابُ‏}‏؛ حيث امتنع من هذا السجود، الذي هو سجود عبادة؛ لكفره وعتوه‏.‏ قال ابن عرفة قوله‏:‏ ‏{‏وكثير‏}‏‏:‏ يحتمل كونه مبتدأ، ويكون في الآية حذف المقابل، أي‏:‏ وكثير من الناس مثاب، وكثير حق عليه العذاب‏.‏ فلا يرد سؤال الزمخشري‏.‏ ه‏.‏ وقدَّره غيرُه‏:‏ وكثير من الناس يسجدون، وكثير يأبى السجود؛ فحق عليه العذاب‏.‏ وقيل‏:‏ وكثير حق عليه العذاب بإنكاره النبوة، وإن سجد للصانع؛ كالفلاسفة واليهود والنصارى‏.‏ ه‏.‏

‏{‏ومَن يُهِنِ اللهُ‏}‏؛ بأن صرفته الشقاوة عن الانقياد لأمره الشرعي، ‏{‏فما له من مُكرمٍ‏}‏ بالسعادة، أو يوم القيامة، بل يذل ويهان، ‏{‏إن الله يفعل ما يشاء‏}‏ في ملكه؛ يُكرم من يشاء بفضله، ويُهين من يشاء بعدله، لا معقب لحكمه‏.‏ اللهم أكرمنا بطاعتك ومحبتك، واجعلنا منقادين لأمرك وحكمك، ونعّمنا بحلاوة شهودك ومعرفتك، إنك على كل شيء قدير‏.‏ هكذا يُدعى في هذه السجدة‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

الإشارة‏:‏ قد تجلى الحق جلّ جلاله بأسرار ذاته لباطن الأشياء، وبأنوار صفاته لظاهرها، فتعرف لكل شيء بأسرار ذاته وأنوار صفاته، فعرفه كلُّ شيء، ولذلك سجد له وسبح بحمده‏.‏ وفي الحِكَم‏:‏ «أنت الذي تَعَرَّفْتَ لكل شيء، فما جَهِلَكَ شيءٌ»‏.‏ فظواهر الأواني ساجدة لأسرار المعاني، وخاضعة للكبير المتعالي، ولا يفقه هذا إلا من خاض بحر المعاني، ولم يقف مع حس الأواني، ولم يمتنع من الانقياد والخضوع لجلال الحق وكبريائه في الظاهر والباطن، إلا من أهانه الله من عُصاة بني آدم‏.‏ ومن يُهن الله فما له من مكرم، إن الله يفعل ما يشاء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 24‏]‏

‏{‏هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ‏(‏19‏)‏ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ‏(‏20‏)‏ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ‏(‏21‏)‏ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ‏(‏22‏)‏ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ‏(‏23‏)‏ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ‏(‏24‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏خصمان‏}‏‏:‏ صفة لمحذوف، أي‏:‏ فريقان خصمان، والمراد‏:‏ فريق المؤمنين، وفريق الكفرة بأقسامه الخمسة‏.‏ وقيل‏:‏ اسم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، والمراد هنا‏:‏ الجماعة، بدليل قوله‏:‏ ‏{‏اختصموا‏}‏؛ بالجمع‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏هذان خصمان‏}‏ أي‏:‏ مختصمان ‏{‏اختصموا‏}‏ أي‏:‏ فريق المؤمنين والكافرين‏.‏ وقال ابن عباس رضي الله عنه‏:‏ ‏(‏راجع إلى أهل الأديان المذكورة‏)‏؛ فالمؤمنون خَصْمٌ، وسائرُ الخمسة خصمٌ، تخاصموا ‏{‏في ربهم‏}‏ أي‏:‏ في شأنه تعالى، أو في دينه، أو في ذاته وصفاته‏.‏ والكل من شؤونه تعالى، فكل فريق يصحح اعتقاده‏.‏ ويُبطل اعتقاد خصمه‏.‏ وقيل‏:‏ تخاصمت اليهود والمؤمنون؛ فقالت اليهودُ‏:‏ نحن أحق بالله وأقدمُ منكم كتابًا، ونبيُّنا قبل نبيِّكم‏.‏ وقال المؤمنون‏:‏ نحن أحقُّ بالله منكم، آمنا بنبينا ونبيكم، وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم كفرتم به؛ حسدًا‏.‏ وكان أبو ذر يُقسِمُ أنها نزلَتْ في ستة نفر من قريش، تبارَزوا يوم بَدر؛ حمزةُ وعليٌّ، وعبيدة بن الحارث، مع عتبة، وشيبة ابني ربيعةَ، والوليدُ‏.‏ وقال عليّ رضي الله عنه‏:‏ إني لأوَّلُ من يجثو بين يدَيِ الله يوم القيامة؛ للخُصومة‏.‏ ه‏.‏

ثم بيَّن الفصل بينهم، المذكور في قوله‏:‏ ‏{‏إن الله يفصل بينهم يوم القيامة‏}‏، فقال‏:‏ ‏{‏فالذين كفروا‏}‏ بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ‏{‏قُطِّعَت لهم ثيابٌ من نار‏}‏ أي فصّلت وقُدرت على مقادير جثثهم، تشتمل عليهم، كما تقطع الثياب للبوس‏.‏ وعبَّر بالماضي؛ لتحقق وقوعه‏.‏ ‏{‏يُصَبُّ من فوق رؤوسهم الحميمُ‏}‏ أي‏:‏ الماء الحار‏.‏ عن ابن عباس رضي الله عنه‏:‏ «لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها»‏.‏ ‏{‏يُصهَرُ‏}‏‏:‏ يُذاب ‏{‏به‏}‏ أي‏:‏ بالحميم، ‏{‏ما في بطونهم‏}‏ من الأمعاء والأحشاء، ‏{‏والجلودُ‏}‏ تذاب أيضًا، فيُؤثر في الظاهر والباطن، كلما نضجت جلودهم بُدلت‏.‏ وتقديم ما في الباطن؛ للإيذان بأن تأثيرها في الباطن أقوى من تأثيرها في الظاهر، مع أن ملابستها على العكس‏.‏

‏{‏ولهم مقامعُ من حديدٍ‏}‏ أي‏:‏ ولتعذيب الكفرة، أو لأجلهم، مقامع‏:‏ جمع مقمعة، وهي آلة القمع، أي‏:‏ سيَاط من حديد، يُضربون بها‏.‏ ‏{‏كُلما أرادوا أن يخرجوا منها‏}‏ أي‏:‏ أشرفوا على الخروج من النار، ودنوا منه، حسبما رُويَ‏:‏ أنها تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا بأعلاها ضُربوا بالمقامع، فَهَوَوْا فيها سبعين خريفًا‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏من غَمّ‏}‏‏:‏ بدل اشتمال من ضمير ‏{‏منها‏}‏؛ بإعادة الجار، والعائد‏:‏ محذوف، أي‏:‏ كلما أرادوا أن يخرجوا من غم شديد من غمومها ‏{‏أُعيدوا فيها‏}‏ أي‏:‏ في قعرها، بأن رُدوا من أعاليها إلى أسافلها، من غير أن يخرجوا منها، ‏{‏و‏}‏ قيل لهم‏:‏ ‏{‏ذُوقوا عذابَ الحريق‏}‏ أي‏:‏ الغليظ من النار، العظيم الإحراق‏.‏

ثم ذكر جزاء الخصم الآخر، وهم أهل الحق، فقال‏:‏ ‏{‏إن الله يُدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار‏}‏، وغيَّر الأسلوب فيه، بإسناد الإدخال إلى الله عزّ وجلّ، وتصدير الجملة بحرف التأكيد؛ إيذانًا بكمال مباينة حالهم لحال الكفرة، وإظهارًا لمزيد العناية بحال المؤمنين، ‏{‏يُحلَّون فيها‏}‏ من التحلية، وهو التزين، أي‏:‏ تحليهم الملائكة بأمره تعالى ‏{‏من أساورَ‏}‏ أي‏:‏ بعض أساور‏:‏ جمع سوار، ‏{‏من ذهبٍ‏}‏ للبيان، أي يلبسون أساور مصنوعة من ذهب، ‏{‏ولؤلؤًا‏}‏، من جَرَّهُ‏:‏ عَطَفَهُ على ‏{‏ذهب‏}‏، أو ‏{‏أساور‏}‏، ومَنْ نَصَبَهُ‏:‏ فعلى محل ‏{‏من أساور‏}‏، أي‏:‏ ويُحَلَّوْنَ لؤلؤًا، أو بفعل محذوف، أي‏:‏ ويُؤْتَوْنَ لؤلؤًا‏.‏

‏{‏ولباسُهُم فيها حريرٌ‏}‏‏:‏ أبريسِمْ، وغيَّر الأسلوب، فلم يقل‏:‏ ويلبسون حريرًا؛ لأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غَنِيُّ عن البيان، إذ لا يمكن عراؤهم عنه، وإنما المحتاج للبيان‏:‏ أيُّ لباس هو، بخلاف الأساور واللؤلؤ، فإنها ليست من اللوازم الضرورية، فجعل بيان حليتهم بها مقصودًا بالذات‏.‏ انظر أبا السعود‏.‏

‏{‏وهُدُوا إِلى الطيب من القول‏}‏، وهو كلمة التوحيد‏:‏ لا إله إلا الله أو‏:‏ الحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، بدليل قوله‏:‏ ‏{‏إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب‏}‏ ‏[‏فَاطِر‏:‏ 10‏]‏‏.‏ ‏{‏وهُدُوا إِلى صراط الحميد‏}‏ أي‏:‏ المحمود، وهو الإسلام‏.‏ أو‏:‏ ألهمهم اللهُ في الآخرة أن يقولوا‏:‏ الحمد لله الذي صدقنا وعده، وهداهم فيها إلى طريق الجنة‏.‏ وقيل‏:‏ إلى طريق الوصول إلى الله العزيز الحميد، والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ قد اختصم أهل الظاهر مع أهل الباطن في شأن الربوبية، فقال أهل الظاهر‏:‏ الحق تعالى لا يُرى في دار الدنيا، ولا تُمكن معرفته، إلا من جهة الدليل والبرهان، على طريق الإيمان بالغيب‏.‏ وقال أهل الباطن من أكابر الصوفية‏:‏ الحق تعالى يُرى في هذه الدار، كما يرى في تلك الدار، من طريق العرفان، على نعت الشهود والعيان، لكن ذلك بعد موت النفوس وحط الرؤوس لأهل التربية النبوية، فلا يزال يحاذيه ويسير به، حتى يقول‏:‏ ها أنت وربك، فحينئذ تشرق عليه شموسُ العرفان، فتُغطى عنه وجود حس الأكوان، فلا يرى حينئذ إلا المكون، حتى لو كُلف أن يرى غيره لم يستطع؛ إذ لا غير معه حتى يشهده‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ ‏(‏مُحال أن تشهده، وتشهد معه سواه‏)‏‏.‏ وفي مناجاة الحكم العطائية‏:‏ «إلهي، كيف يُسْتَدَلُّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك‏؟‏ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك‏؟‏ متى غِبْتَ، حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك‏؟‏‏!‏ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك‏؟‏‏!‏»‏.‏ وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه‏:‏ ‏(‏أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان‏)‏‏.‏ وهذه الطريق هي طريق التربية، لا تنقطع أبدًا، فمن كفر بها وجحدها قُطعت له ثياب من نار القطيعة، فيبقى مسجونًا بسرادقات محيطاته، محصورًا في هيكل ذاته، لا يَرى إلا ظلمة الأكوان، يُصب من فوق رأسه، إلى قلبه، حَرُّ التدبير والاختيار، وكلما أراد أن يخرج من سجن الأكوان وغم الحجاب ردته حَيْرَةُ الدَّهَشِ، وهيبة الكبرياء والعظمة والإجلال؛ لأن فكرته مسجونة تحت أطباق الكائنات، مقيدة بعلائق العوائد والشواغل والشهوات‏.‏

ويقال له‏:‏ ذق عذاب الحريق، وهو حِرْمانك من شهود التحقيق‏.‏

إن الله يدخل الذين آمنوا بطريق الخصوص، جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، يُحلون فيها بأنواع المحاسن والفضائل، ويتطهرون من جميع المساوئ والرذائل، وهُدوا إلى الطيب من القول، وهو الذكر الدائم بالقلب الهائم، والمخاطبة اللينة من القلوب الصافية، وهُدوا إلى طريق التربية والترقية، حتى وصلوا إلى شهود الحبيب، الحامد المحمود، القريب المجيب‏.‏ حققنا الله بمقامهم بمنِّه وكرمه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 26‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏25‏)‏ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ‏(‏26‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ خبر ‏{‏إن‏}‏‏:‏ محذوف، يدل عليه ما بعده، أي‏:‏ الذين كفروا نذيقهم من عذاب أليم؛ لأنه إذا كان الملحِدُ في الحرم مُعَدَّبًا فالجامع بين الكفر والصد أَولى‏.‏ ومن رفع ‏{‏سواء‏}‏ جعله خبرًا مقدمًا‏.‏ و‏{‏العاكف‏}‏‏:‏ مبتدأ‏.‏ ومن نصبه‏:‏ جعله مفعولَ ‏{‏جعل‏}‏، و‏{‏العاكف‏}‏ فاعل به‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏إِن الذين كفروا ويَصدون‏}‏ الناس ‏{‏عن سبيل الله‏}‏، أي‏:‏ واستمروا على الصد، ولذلك حسن عطفه على الماضي، ‏{‏و‏}‏ يصدون أيضًا عن ‏{‏المسجد الحرام‏}‏ والدخول فيه، كأهل مكة مع المسلمين، ‏{‏الذي جعلناه للناس‏}‏ أي‏:‏ مقامًا ومسكنًا للناس، كائنًا من كان، لا فرق فيه بين مكي وآفاقي، وضعيف وقوي، حاضر وباد‏.‏ فإن أُريد بالمسجد الحرام «مكة»، ففيه دليل على أن دور مكة لا تُباع، وأن الناس فيها سواء، فيجوز للقادم أن ينزل منها حيث شاء، وليس لأحد فيها مِلك‏.‏ وبه قال أبو حنيفة‏.‏ وقال مالك وغيره‏:‏ ليست الدور فيها كالمسجد، بل هي مُتَمَلَّكَةٌ‏.‏ وإن أريد به البيت كان نصًا في إباحته لجميع المؤمنين‏.‏ وهو مجمع عليه‏.‏

‏{‏سواءً العاكفُ فيه‏}‏ أي‏:‏ مستوٍ المقيم فيه ‏{‏والباد‏}‏، أي‏:‏ المسافر من أهل البادية، ‏{‏من يُرِدْ فيه‏}‏ أي‏:‏ في المسجد، إحداث شيء ‏{‏بإِلحادٍ‏}‏ أي‏:‏ بسبب ميل عن القصد، ‏{‏بظُلم‏}‏، وهما حالان مترادفان، أي‏:‏ ومن يرد فيه إحداث شيء؛ مائلاً عن الحق، ظالمًا فيه، ‏{‏نذِقْهُ من عذابٍ أليم‏}‏ في الآخرة‏.‏ وكل من ارتكب فيه ذنبًا فهو كذلك‏.‏

‏{‏و‏}‏ اذكر يا محمد ‏{‏إِذْ بوّأنا‏}‏‏:‏ حين هيأنا ‏{‏لإبراهيم مكانَ البيت‏}‏ وعيناه له، حتى بناه في مكانه مسامتًا للبيت المعمور، حيث كان بناه آدم عليه السلام، وقد كان رُفع إلى السماء الرابعة، أيام الطوفان، وكان من ياقوتة حمراء، فأعلم اللهُ إبراهيم مكانه، بريح أرسلها، يقال لها‏:‏ الخَجُوح، فكنست مكان البيت، وقيل‏:‏ سحابة على قدر البيت، وقيل‏:‏ كلمته، وقالت له‏:‏ ابنِ على قَدري‏.‏ ه‏.‏ فبناه على أساسه القديم، وفي ابن حجر‏:‏ أنه جعل طوله في السماء تسعة أذرع، ودوره في الأرض ثلاثين ذراعًا بذراعه‏.‏ وأدخل الحِجْر في البيت، وكان قبل ذلك لغنم إسماعيل‏.‏ وبنى الحجارة بعضها على بعض، أي‏:‏ بلا تراب، ولم يجعل له سقفًا، وحفر له بئرًا، عند بابه خزانة للبيت، يُلقي ما يهدى له‏.‏ ه‏.‏

رُوِيَ أن الكعبة الشريفة بُنيت خمس مرات، إحداها‏:‏ بنتها الملائكة، وكانت من ياقوتة حمراء، ثم رُفعت أيام الطوفان‏.‏ والثانية‏:‏ بناها إبراهيم عليه السلام، وقيل‏:‏ إن جُرهم كانت بنتها قبله، ثم هدمت، ويدل عليه‏:‏ التجاء عادٍ إليها، حين نزل بهم القحط‏.‏ فأرسل الله عليهم الريح، وكان ذلك قبل إبراهيم عليه السلام، والثالثة‏:‏ بنتها قريش، وقد حضرها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة‏.‏

والرابعة‏:‏ بناها ابن الزبير، والخامسة‏:‏ الحجاج‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏أن لا تُشرك‏}‏ أي‏:‏ وقلنا له‏:‏ ألا تشرك ‏{‏بي شيئًا‏}‏، بل خلص عملك في بنائها وغيره، من شوائب حظ النفس، عاجلاً وآجلاً، لا طَمَعًا في جزاء، ولا خوفًا من عقوبة، بل محبة وشكرًا وعبودية‏.‏ قال القشيري‏:‏ أي‏:‏ لا تلاحظ البيت ولا بنيانك‏.‏ ه‏.‏ وقيل‏:‏ في الآية طعن على من أشرك من قُطَّان البيت، أي‏:‏ هذا الشرط كان على أبيكم فمَنْ بعده وأنتم، فلم تقبلوه، بل أشركتم وصددتم وألحدتم، فاستحققتم التوبيخ والذم على سلوككم على غير طريق أبيكم‏.‏

‏{‏وطهِّرْ بيتيَ‏}‏ من الأصنام والأقذار، ‏{‏للطائفين‏}‏ به ‏{‏والقائمين‏}‏ للصلاة فيه، أو المقيمين فيه، ‏{‏والركَّع السجود‏}‏ أي‏:‏ المصلين، جمعًا من راكع وساجد‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ إن الذين كفروا بطريق الخصوصية، ويصدون الناس عن الدخول فيها، ويُعوقونهم عن مسجد الحضرة، الذي جعله للناس محلاً تسكن فيه قلوبهم، وتعشش فيه أرواحهم‏.‏ فكل من قصده وباع نفسه وقلبه لله، وصله ودخله، وهو محل المشاهدة والمكالمة، والمساررة والمناجاة، محل شهود الحبيب والمساررة مع القريب، محل نزهة الأفكار في فضاء الشهود والاستبصار، فمن عاق عنها نُذقه من عذاب أليم‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سواء العاكفُ فيه الباد‏}‏، قال القشيري‏:‏ فيه إشارة إلى أن التفاوت إنما يكون في الطريق، وأما بعد الوصول، فلا تفاوت‏.‏ ثم إذا اجتمعت النفوس، فالموضع الواحد مجمعها، ولكن لكلٍّ حالٌ يُعرف به‏.‏ ه‏.‏ قلت‏:‏ مقام التوحيد الخاص، وهو الفناء، هو محل الاجتماع، وتتفاوت بعد ذلك أذواقهم ومواجيدهم، وازدياد كشوفاتهم وترقياتهم، تفاوتًا بعيدًا، على حسب التفرغ والانقطاع، والتأهب والاتباع، حسبما سبقت به القسمة الأزلية‏.‏

وقال الورتجبي، على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ بوأنا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هيأ لخليله وجميع أحبائه بيته، ودلَّه إلى ما فيه من الكرامات والآيات، وما ألبسه من أنوار حضرته؛ ليكون وسيلة لعبادته، ومرآة لأنوار آياته‏.‏ ه‏.‏ قلت‏:‏ الإشارة بالبيت إلى القلب؛ لأنه بيت الرب، أي‏:‏ هيأنا لإبراهيم مكان قلبه؛ لمشاهدة أسرار جبروتنا وأنوار ملكوتنا، ليكون من المُوقنين بشهود ذاتنا، وقلنا له‏:‏ لا تشرك بنا شيئًا من السِّوى، ولا ترى معنا غيرنا، وطهِّر بيتي، الذي هو القلب، من الأغيار والأكدار، ليكون محلاً للطائفين به من الواردات والأنوار، والعاكفين فيه من المشاهدات والأسرار، والركع السجود من القلوب التي تواجهك بالتعظيم والانكسار، فإنَّ قلبَ العارف كعبة للواردات والأسرار، ومحل حج قلوب الصالحين والأبرار‏.‏ وفي بعض الأثر‏:‏ «يا داود؛ طهر لي بيتًا أسكنه، فقال‏:‏ يا رب‏.‏‏.‏‏.‏ وأيُّ بيت يسعك‏؟‏ فقال‏:‏ لم يسعني أرضي ولا سمائي‏.‏ ووسعني قلب عبدي المؤمن»‏.‏ وفيه عند أهل الحديث كلام‏.‏ ووسعه للربوبية بالعلم والمعرفة الخاصة‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏